زيارة دمشق هي هدف··· أم وسيلة؟!
من الخطأ الرهان على التسرّع في تشكيل الحكومة العتيدة، رغم حاجة البلاد الملحة إلى حكومة قادرة على الإنتاج والعمل والإنجاز لمعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية المعقّدة·
ذلك أن الوطن الصغير لا يعيش مرحلة سياسية هادئة وطبيعية، على نحو ما كان عليه الوضع في الحقب الذهبية ابان الستينات وأواسط السبعينات، وحتى في المرحلة الحريرية الأولى في تسعينات القرن الماضي، نظراً لحدة الاشتباك الداخلي، وما يواكبه من انقسامات عمودية خطيرة في الجسم اللبناني، فضلاً عن التشابك الإقليمي والدولي الحاصل في الساحة اللبنانية، والذي يصبّ زيت الخارج على نار خلافات الداخل!·
وإذا كان تشكيل الحكومة العتيدة ليس مهمة مستحيلة بالنسبة للرئيس المكلّف، إلا أنها تبقى مهمة صعبة وشديدة التعقيد، وتصطدم بسلسلة من الصعوبات الداخلية، وتمرّ في حقول ألغام من الضغوطات والتعقيدات الخارجية، وبالتالي لا بد من التسلّح بالصبر وتوفير الوقت اللازم لإزالة الصعوبات في الداخل، ومعالجة التعقيدات المتداخلة من الخارج!·
* * *
لقد اتسم أداء الرئيس المُكلّف بكثير من الهدوء والحكمة بابتعاده عن الخوض في الحرب الإعلامية الخفيّة التي يحاول أصحابها استدراجه إلى سجالات عقيمة، لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فضلاً عن التشويش على مهمته في حلحلة العقد، وتحقيق شعار <حكومة وحدة وطنية> بخطوات عملية تُراعي الثوابت الوطنية، وتُحافظ على مكتسبات الأكثرية الوطنية والسياسية، ولا تُهمل الشركاء في الوطن الجالسين على مقاعد الأقلية النيابية·
غير أن ابتعاد الرئيس سعد الحريري وفريقه عن المعارك الإعلامية، لم يمنع أصحاب النوايا الخبيثة من التعرّض لا لمهمة الرئيس المُكلّف وحسب، بل وأيضاً للمشاورات العربية الناشطة بين الرياض ودمشق لترتيب وضع البيت اللبناني وتنقية الأجواء العربية، وتسريب روايات لا تمت إلى حقيقة ما يجري بصلة، وذلك بهدف إجهاض التقارب السعودي – السوري، وإبطال مفعوله الإيجابي على الوضع اللبناني خاصة، وعلى بقية الأوضاع العربية المقلقة عامة!·
وحاول أصحاب حملات التشكيك والتشويش تصوير زيارة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس سعد الحريري إلى دمشق، وكأنها هي العقدة التي فرّملت كل ما تحقق من توافقات عربية ولبنانية على درب تشكيل الحكومة العتيدة!·
فهل صحيح أن الزيارتين تحوّلتا إلى عقدة أعاقت تقدّم المشاورات العربية واللبنانية حول الحكومة الجديدة؟·
وماذا حصل فجأة حتى تبدّدت أجواء التفاؤل التي وضعت <الطبخة الوزارية على نار قوية> طوال ثمان وأربعين ساعة أواسط الأسبوع الماضي؟·
* * *
وإذا تركنا أحاديث المعلومات والتكهنات عن دخول عناصر إقليمية ودولية على خط المشاورات العربية، أدّت الى فرملته في محطات محددة·· وتكاد تُعيد البحث الى المربع الأوّل، فإن ما يهمنا كلبنانيين هو معرفة حقيقة ما يدور حول الزيارة المرتقبة للرئيس سعد الحريري إلى العاصمة السورية؟·
ليس دقيقاً الكلام المُفتعل عن تردّد الرئيس المُكلّف في القيام بزيارة دمشق أو عن أي حرج يشعر به إزاء مثل هذه الزيارة·
ولكن الحريري، في الوقت نفسه، غير متعجل لزيارة تتم كيفما كان، ودون الإعداد لها بشكل جيّد، وقبل وضع جدول أعمال واضح ومدروس، ويُلبي متطلبات تصحيح العلاقات اللبنانية – السورية، ولا حتى قبل التيقن من النتائج الإيجابية للزيارة العتيدة، والتي يجب أن تُعيد التعاون اللبناني – السوري إلى مساره الأخوي الصحيح، والذي يُراعي مصالح الشعبين الشقيقين·
ولعل تصريح الحريري في قصر بعبدا عن الزيارة بأن <كل شيء بوقته حلو>، إشارة واضحة إلى نيته القيام بالزيارة المرتقبة إلى دمشق في الوقت المناسب، وبعد إتمام الإعداد اللازم، والذي يضمن النتائج المرجوة منها·
وهنا لا بد من القول بأن زيارة الحريري إلى دمشق بعد تشكيل الحكومة، وحصوله على ثقة مجلس النواب، ستكون أهم وأنسب من زيارته للعاصمة السورية وهو رئيس مُكلّف لم يُنجز تأليف حكومته بعد·
والكل يُدرك حجم الملفات العالقة بين البلدين الجارين، والتي تتطلب معالجات جدية وحاسمة وشفافة من خلال التعاون بين حكومتي البلدين، الأمر الذي قد يتطلب أن تكون زيارة رئيس الحكومة العتيدة إلى دمشق على رأس وفد وزاري كبير يضم كل الوزراء أو معظمهم على الأقل، المعنيين بإعادة تطبيع العلاقات الأخوية بين البلدين، على ضوء مناقشة الاتفاقات المعقودة وما تتطلبه من تعديل أو تطوير·
وهنا لا بد من التأكيد بأن الزيارة ليست هي الهدف بذاته، بل هي، ويجب أن تبقى، الوسيلة الأساسية لتحقيق الهدف الأكبر وهو تنقية الأجواء بين البلدين، و<إقامة أطيب العلاقات بين لبنان وسوريا> على حد قول الرئيس المُكلّف·
* * *
ويبقى السؤال الذي يشغل الأكثرية الساحقة من اللبنانيين:
إذا كانت المشاورات العربية ناشطة للمساعدة على ترتيب الوضع اللبناني في سياق توافقي عربي جديد، بعد انتهاء مفاعيل اتفاق الدوحة، ماذا يمنع القادة اللبنانيين من تكثيف لقاءاتهم ومشاوراتهم لتعزيز التوافق على النقاط المشتركة، والبحث في تدوير زوايا القضايا المختلف عليها، أو على الأقل إدارة الخلافات إيّاها في إطار سياسي واضح ومتفق عليه، ويكون بمثابة صمام الأمان لعدم انتقال الخلافات إلى الشارع، وتفجير حالات التعبئة والاحتقان الجاهلية، كلما دقّ جرس التدخلات الخارجية، أو أراد أحدهم في الداخل أن يوصل <رسالة سياسية ما> إلى شريكه في الوطن والمصير؟!·
فهل في كل مرة تَسلَم الجرّة؟!·