عندما يصبح له حياد مثل سويسرا وشعب كشعبها وجيران كجيرانها
لبنان مستعد لتطبيق "الديموقراطية التوافقية" وأي نظام آخر
توقفت اوساط سياسية عند مقال في "النهار" لسفير لبنان في سويسرا سابقا سمير حبيقة يدعو فيه لبنان الى ان يحذو حذو سويسرا في تشكيل حكوماته سعيا الى ارساء التوازنات الداخلية والحفاظ على حقوق الاقليات، مشيرا الى ان الحكومة في سويسرا هي حكومة ارقام كما يحاول لبنان ان يفعل وهي حكومة مجموع وزرائها دائما سبعة واحزابها اربعة يمثلون سويسرا بأسرها ويوفقون ما بين اللغات الرسمية الاربع والطائفتين التاريخيتين والـ26 كانتونا ويتعايش فيها اليمين واليسار في آن واحد، وهي حكومة لا تتخذ القرارات فيها الا بالتوافق ولا يلجأ الى التصويت فيها الا فيما ندر ويتوقف ذلك الى حد كبير على شخصية الرئيس واسلوبه في التعاطي مع القضايا الخلافية الشائكة. وهذه الصيغة السويسرية تعود الى عام 1943 يوم كان الحزب الراديكالي هو المهيمن، وهو العام نفسه الذي شهد فيه لبنان نشأة استقلاله انطلاقا من صيغة العيش المشترك والميثاق الوطني. (كان الحزب الدستوري هو المهيمن آنذاك على الحكم).
لكن سويسرا تدرجت في نظامها السياسي، من الحكم الاكثري الى الحكم النسبي، ومن الديموقراطية العددية الى الديموقراطية التوافقية ومن تحكم حزب واحد وسائر الاحزاب الى مشاركة الاحزاب جميعا أكانت في المعارضة او في الموالاة. في حين ان لبنان لم يتبع هذا التدرج في رأي الاوساط السياسية نفسها وذلك للاسباب الآتية:
اولا: ان لبنان طبق دائما وفي معظم العهود، وقبل ان يخضع للوصاية السورية، النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، رغم ما شاب تطبيق هذا النظام من قول بحكم "المارونية السياسية" بموجب الدستور القديم ومن قول بحكم "السنية السياسية" بموجب دستور الطائف، والقول الآن بحكم "الشيعية السنية" بموجب دستور يجري البحث فيه او بموجب نظام جديد للبنان يلائم ما حدث من تطورات داخلية وخارجية.
ثانيا: ان لبنان بات عاجزا عن تطبيق الديموقراطية تطبيقا صحيحا عندما تحولت الاحزاب الوطنية فيه احزابا مذهبية وطائفية فلم يعد في الامكان تطبيق هذه الديموقراطية في ظل المذهبية والطائفية اذ اصبح من حق كل مذهب او طائفة وضع "الفيتو" على مطالب مذهب او طائفة اخرى ورفض المشاركة في الحكومة اذا لم يتم التوافق على المطالب بين كل الاحزاب والتيارات والمذاهب خلافا لما كان عليه الوضع في السابق عندما كانت تسود التعددية داخل كل مذهب وطائفة ولم تكن تسود الحصرية في تمثيلها وتحديدا في الطائفة الشيعية كما هي الآن بحيث لم يعد مقبولا تمثيلها في اي حكومة تمثيلا صحيحا الا "بحزب الله" وحركة "امل" او بمن يقبل به هذان الحزبان.
ثالثا: ان في سويسرا اربعة احزاب، وفي لبنان ما يفوق العشرين حزبا، وفي سويسرا تسود العلمانية وليست الطائفية والمذهبية، وفي سويسرا شعب يختلف بشعوره الوطني وولائه للدولة عن الشعب اللبناني. فليس في سويسرا حزب ترتبط توجهاته بدولة خارجية بل بدولته فقط، في حين توجد في لبنان احزاب مرتبطة بهذه الدولة او تلك قريبة او بعيدة وتقدم غالبا مصالح هذه الدولة على مصالح لبنان… ومن جهة اخرى فان الدول التي تحيط بسويسرا ليست مثل الدول التي تحيط بلبنان. فجارته سوريا لم تعترف باستقلاله وسيادته الا بعد مرور 65 عاما على نيله هذا الاستقلال، ووافقت بعد جهد جهيد ومساع عربية ودولية حثيثة على اقامة تمثيل ديبلوماسي معه واعتبرت ذلك انجازا مهما قامت به حيال لبنان… وعلى حدود لبنان الجنوبية دولة اسرائيل التي لا يعترف بها ويعتبرها عدوة ما دامت تحتل جزءا من اراضيه ولا تنسحب منها كي يقوم بينهما، ان لم يكن سلاما، فأقله هدنة.
رابعا: ان سويسرا هي دولة حيادية بتوافق داخلي واعتراف دولي وان الدول ولا سيما المحيطة بها تحترم حيادها في السلم وفي الحرب. وهو وضع غير متوافر للبنان الذي تحوله الدول القريبة والبعيدة ساحة لصراعاتها ولتصفية حساباتها…
وعندما يتفق اللبنانيون على تحييد لبنان فلا هذا من ابنائه "يشرّق" ولا ذاك "يغرّب" ويكون لبنان مع العرب وهم متفقون، وعلى الحياد وهم مختلفون، ولا عدو له سوى اسرائيل ويتضامن مع العرب ومع الفلسطينيين في الدفاع عن قضاياهم المشتركة، وتحترم الدول البعيدة والقريبة ولا سيما جيرانه حياده فلا يعود عندئذ مشكلة في اعتماد اي نظام، سواء كان مثل النظام السويسري او غيره من الانظمة، اذ لا يعود ثمة من يخاف من اللبنانيين على كيان لبنان وهويته ايا كانت الحكومة فيه بل ايا كان رئيس الجمهورية، ويصير في الامكان إلغاء الطائفية بكل وجوهها السياسية والادارية، إلغاء لا يتم بمرسوم وبنصوص بل بإزالة ما في النفوس اولا، وهذا يبدأ في البيت وفي المدرسة حيث ينشأ كل جيل تنشئة وطنية ليكون ولاؤه للوطن من دون سواه، اذ لا جدوى من إلغاء الطائفية بالنصوص اذا بقيت في النفوس والاجيال التي تنشأ في البيوت وفي المدارس انما تنشأ على الحقد والكراهية والاستشهاد وعلى الشحن المذهبي والطائفي الذي يبني وطنا ولا يقيم عيشا مشتركا صحيحا، وفي العمق بين مختلف فئاته وأديانه، ويكون ولاؤه للوطن ووفاء له حتى التضحية.
فليعط لبنان الحياد الايجابي مثل سويسرا او النمسا، فلا يعود عندئذ خلاف على اي نظام ينبغي اعتماده سواء كان نظام "الديموقراطية العددية" او "الديموقراطية التوافقية" ولتلغ عندئذ الطائفية وتصبح الرئاسات الثلاث في لبنان مفتوحة امام الجميع الى اي حزب او مذهب انتمى ولا تعود موزعة على الطوائف كما هي الآن. فاذا كانت "الديموقراطية العددية" لا يمكن تطبيقها في ظل الطائفية فان الديموقراطية التوافقية تكرس الطائفية، ولا يمكن تطبيقها الا اذا اصبح لبنان سويسرا فعلا لا قولا وكي لا يتحول تطبيق هذه الديموقراطية في ظل الوضع السائد في لبنان "فيديرالية طوائف" وكانتونات…