الأقباط والتلفزيون المصري: محطات لا تشبه "بين القصرين"
للمرة الأولى عبر تاريخ الإعلام المرئي في مصر، أبدت الكنيسة القبطية الارثوذكسية المصرية الأسبوع المنصرم استياءها من تجاهل الإعلام الرسمي تقديم برنامج حول تعاليم الدين المسيحي في التلفزيون أسوة بالبرامج الدينية الإسلامية.
يجيء استياء الكنيسة هذه المرة على خلفية دعوة وجهها الإعلامي محمود سعد مقدم برنامج "البيت بيتك" للحضور إلى البرنامج، تلاه التراجع عن الفكرة من دون إبلاغ الكنيسة. الأمر الذي ألقى الضوء على شكل علاقة الإعلام الرسمي في مصر بالأقباط التي تتسم طوال الوقت بالتجاهل من قبل أطراف عديدين.
فجهاز التلفزيون المصري – الذي ولد عملاقاً ويسير بخطى عملاقة.. كما تذكر دعايته الرسمية – لم يكن يولي اهتماماً كبيراً لمسألة تقديم برامج دينية تخص المسلمين أو المسيحيين منذ نشأته في بداية ستينيات القرن الماضي وقت ذروة انتشاء العهد الناصري بإنجازاته.
ولكن هذا الاهتمام بدأ يقتطع مساحة من الإرسال اليومي أثناء عهد السادات، حين بدأت تذاع بشكل أسبوعي شعائر صلاة الجمعة. ثم بدأ انتاج البرامج الدينية الاسلامية التي كان أشهرها على الإطلاق في ذلك الوقت برنامج "نور على نور" الذي كان يقدمه الاعلامي الراحل أحمد فراج والذي شهد بداية انطلاق الشيخ الشعراوي كواحد من أوائل وأبرز الوجوه الدينية التي عرفتها شاشة التلفزيون المصري، والشاشات العربية من بعد.
تم تحويل البرامج الستينية التي كانت تتحدث عن الاشتراكية العربية إلى برامج أغلبها ذو طابع ديني، وكان من أبرز ملامح هذا الاستبدال الغاء البرنامج الذي كان يقدمه المفكر اليساري الراحل محمود أمين العالم، ببرنامج "حديث الروح" الذي يتناوب على تقديمه رموز المؤسسة الدينية الرسمية مثل شيخ الأزهر، مفتي الديار المصرية ورئيس جامعة الأزهر.
لم يحدث عبر هذه التحولات التي شهدها جهاز الإعلام الرسمي في مصر أن تم تخصيص برنامج ديني يهتم بتعاليم الدين المسيحي، أو تقديم رؤية دينية مسيحية للمشاكل الاجتماعية التي تواجه الاقباط في مصر، على غرار البرامج الإسلامية.
وباستثناء البث المباشر لوقائع احتفال الكنيسة بعيد الميلاد المجيد الذي بدأ منذ سنوات قليلة مع إعلان السابع من كانون الثاني إجازة رسمية، هذا الاحتفال الذي يحضره عادة جمال مبارك نجل الرئيس مع رئيس الوزراء، ظل حضور رجال الدين المسيحيين على شاشة التلفزيون المصري مرتبطاً بما يطلق عليه احداث "الاحتقان الطائفي" والتي تحدث من حين إلى آخر في صعيد مصر حيث الكثافة المسيحية المرتفعة، ليخرج بعدها أحد القساوسة يتحدث عن "وحدة عنصري النيل"، وتختتم الفقرة بمشهد قديم من فيلم "بين القصرين" للمخرج حسن الإمام لتظاهرات 1919 يظهر فيها علم الثورة المصرية القديمة حيث الهلال يحتضن الصليب.
وعلى الرغم من فيض المسلسلات الدرامية التي تتم صناعتها في مصر عبر تاريخ التلفزيون، إلا أن الحضور "القبطي" ظل ايضا مرتبطا بأحداث الفتن الطائفية ومحصوراً داخل "وحدة عنصري النيل"! اذ بعد كل اضطراب بين المسيحيين والمسلمين يسارع كتّاب الدراما إلى حشر شخصية "قبطية" داخل مسلسلاتهم الجديدة بغض النظر عن الضرورة الدرامية لوجود الشخصية. وتحمل الشخصية اسماً قبطياً أصيلاً مثل "جرجس" أو "مينا" او "بشاي" ويأتي حوارها كله جملا انشائية عن مدى حبه لجيرانه المسلمين، وكيف ان هذه العلاقة محصنة ضد أي محاولة للوقيعة بينهما من الثالث الذي ما يكون غالباً "إرهابيا"! ما جعل أكثر من شخصية تبدو كأنها قد حشرت بـ"توجيهات عليا".
بقيت الكنيسة في حالة من الصمت طوال سنين، ويبدو أن ما جعلها تعلن عن استيائها هذه المرة هو التعامل بحالة عبثية، إذ تبرير عدم إذاعة الحلقة كان بالتصريح عن استضافة مدرب المنتخب الوطني حسن شحاته وبعض لاعبي المنتخب. فأتى الواقع ليبدد ما يحكى عن محاولة آتية من جناح جديد يحاول إضفاء لمسة ديموقراطية على جهاز إعلام الدولة العتيد باستضافة شخصيات سياسية معارضة والتعرض بالنقد لبعض الوزراء والسياسات. وما بقي هي حادثة أثارت مشاعر ملايين المسيحيين المصريين، وأنبأت بتعاط جديد للكنيسة القبطية مع تجاهل الإعلام المصري لها.