#adsense

لبنان صنوان الحرية والعنفوان لا يخنق

حجم الخط

لبنان صنوان الحرية والعنفوان لا يخنق
حميد عواد

إستقامة ونجاعة حرية الرأي والمعتقد تنبعان من وعي حدود المسؤولية حقوقاً وواجبات وممارسة، كما تبنى من خلال حرية الإضطلاع على مصادر المعرفة وصقل المواهب و تنمية طاقات الإستيعاب والتمييز والغور في باطن الطروحات لتقصي خباياها وتبيان مقاصدها وأهدافها.

وهذا يتطلب تنشئة رصينة غنية الروافد، واسعة الآفاق، منشّطة للفكر، شاحذة للمنطق ومحفّزة على التحليل النقدي، ضمن بيئة إجتماعية صحية منيعة لا تزعزعها هزات توتر داخلي مفتعل ولا تخرق غلافها إضطرابات وافدة من وراء الحدود.

رغم هول الأحداث والفتن التي أحاطت وإخترقت لبنان، بقيت شرائح مهمة من المجتمع اللبناني وطيدة الإيمان بوطنها وفية لتراثها وحامية لحصونه الشامخة المنيعة التي يحاول عبثاً "مونغول" العصر دكها ومحو ذاكرتها الجماعية.

بكركي قلعة وطنية راسخة وصرح روحي حضاري بطاركته من صنّاع تاريخ لبنان وصاحب الغبطة والنيافة مار نصر الله بطرس صفير هو سند صلب لكيان لبنان "الرسالة" عصي على الضغوط وحملات التعدي التي إستهدفت من خلاله عوامل منعة الوطن، فإرتد المعتدون خائبين ومفضوحين: الماس لا تخدشه المخالب.

كم كانت أمنية الحريصين على صيانة جوهر كيان الوطن، المتميّز بنظامه الديمقراطي وتنوعه البشري، ألا تجرف السيول الإقليمية فئة وفتاتاً من نسيجه الإجتماعي لتنقلب على الصيغة النموذجية لهذا الوطن المنارة والقدوة، محاوِلة خنق الحرية و إحتباس النور و إجهاض النهضة بشتى الوسائل الوافدة إليها من الأنظمة الشمولية المحيطة، بما فيها السلاح الذي غدا جزءاً من مهامه حقن الإستفزاز الفئوي واضحى "فورة منشطة" للإستقواء الهمجي وللإبتزاز السياسي و"وسيلة تعبير" لتمجيد الزعامة.

إن القدرة على الترويض حسنة إن خُصصت لإخماد النزعات العدائية وضبط الإنفعالات، أما أن تستغل هذه القدرة عند بعض المشعوذين لإثارة و تأجيج الغرائز البهيمية في أذهان مسلوبة الإدراك كي تؤهبّها وتسوقها للإفتراس فتلك الطامة الكبرى.

رغم صولات الترهيب وتلاوة تعاويذ التضليل وممارسة طقوس التدجين وضخّ شعائر التدجيل الديماغوجية إرواءً لظمأ النفوس المدمنة على التبعية، قيّض للديقراطية في لبنان أن تتألق حتى في ظروف دقيقة وصعبة، فتمت الإنتخابات النيابية بنجاح تحت رقابة مؤسسات عالمية مختصة خلال نهار واحد مما عُدّ إنجازاً بارزاً رغم إستباقه بتشكيك جوقة النقيق في نجاحه.

هذه الجوقة لم تكتفِ بحرمان المغتربين حق المشاركة في إنتخاب النواب وربط مشاركتهم بتعديل للدستور يتيح تخفيض سن التأهيل للإقتراع من الواحدة والعشرين إلى الثامنة عشر (رغم أن هذا العمر هو بداية لإكتساب الخبرات ونضج الشخصية وإنقشاع الخيارات والتمرس في المسؤولية)، بل ضاقت بمشاركة من تكبّد مشقات السفر للإدلاء بعيّنة من أصوات تفانت في الدفاع عن لبنان، لأنها "إكتشفت" فيها سر خسارتها.

صدمة هذه الخسارة نغّصت رموز النظامين الإقليميين الشموليين الدائمي التحفز للتوسع والسيطرة الذين كانوا يمنّنون النفس بفوز كاسح لحلفائهم في لبنان ينشر هالتهم، فشدت عزيمة النظام الإيراني على منع إفلات منصب رئاسة الجمهورية فيه للمعارضة بكل الوسائل، فجاء الرد بالطعن في صحة إحصاء الأصوات وإنطلق تحرك شعبي يدعو لإعادة إجراء عملية الإنتخاب وكشر المحافظون عن أنيابهم فسطعت المفارفة بين نظامي إيران و لبنان:
"ضدان لما "إستحضرا برزا" و الضد يظهر حسنه (و سوءه) الضد".

و في سياق "المحاسن" أوردت وكالات الأنباء ما قاله أحمد خاتمي في خطبة الجمعة(26 حزيران، 2009):" أريد من القضاء أن يعاقب زعماء الإنتهاكات ومثيري الشغب البارزين والذين دعموا الولايات المتحدة وإسرائيل، بقوة وحزم ومن دون أي رحمة ليلقن الجميع درساً… إن من يقاتل النظام الإسلامي أو زعيم المجتمع الإسلامي، عليكم بقتاله حتى دماره الكامل. كل من يستخدم السلاح لقتال الشعب، يستحق الإعدام"، مشيراً إلى من عكر السلام ودمر الأملاك العامة هو "في حرب مع الله". (النهار، ي ب أ، أ ب، رويترز، و ص ف)

هذا غيض من فيض غضب وبأس "حراس نظام أحادية حظوة الحلولية والفقه". هل يتقبل اللبنانيون تسليط هذا النمط من التفكير والنهج عليهم في لبنان؟

العالم يشهد ويسمع ويميز بين الحرية و الفوضى، بين الظالم و المظلوم، بين الجلاد و الضحية، ويدعم المطالب المحقة كما يعرف ما ومن يستحق الإدانة.

لبنان بممارسة الديمقراطية التي تليق بتراثه العريق إستقطب إعجاب وتقدير العالم الذي أغدق التهاني والتمنيات الطيبة على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب و الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة.

اللبنانيون والعالم بأسره يتوسمون خيراً بتكليف رئيس تكتل "لبنان أولاً" سعد الحريري تشكيل الحكومة بالتنسيق مع رئيس الجمهورية وبعد التشاور مع مختلف الكتل النيابية، و يترقبون ترجمة وعود التعاون بتسهيل تشكيل حكومة منسجمة تؤمن مشاركة بناءة بلا مشاكسة هدامة، تعمل بهدي توق غالبية المواطنين لترسيخ الولاء الوطني و تثبيت الإستقرار و تعزيز دور المؤسسات الرسمية في ممارسة مهامها و صلاحياتها الدستورية خدمة للمصالح الوطنية العليا فوق أي إعتبار آخر، و تجيّر كل عوامل القوة لتصليب هيكلية الدولة وتزخيم إندفاعها نحو التنمية والإزدهار.

قد يمهّد صفاء النيات كثيرا من العراقيل لكن الإصرار على إنتزاع شرعية تُسبغ على كيان يقرض تدريجياً معالم الدولة سيطرح عقداً على صعيد صيغة الحكومة و صياغة البيان الوزاري.

والمصرّون على إنتزاع "إمتياز" "حرية الإنتشار" وتحويل كل "منزل" لهم قاعدة عسكرية تُجفل أهل الجوار، يتحدون المبدأ البديهي أنّ السيادة تصونها السلطات الرسمية ويحميها جيش الوطن وقواه الأمنية فلا توكل ولا تلزّم إلى "متعهد أمني". كرامة المواطن وأمنه وإطمئنانه لمستقبله هي أمانة تحفظها مؤسسات الدولة لا سلعة يفاوض عليها حملة السلاح لقاء الخضوع لسلطة زعيمهم.

فهل من يقظة ضمير تضع الأمور في نصابها الصحيح والسلاح تحت إمرة الدولة وتزيل الضغينة من النفوس وتمحو البؤر الأمنية عن ارض الوطن ومؤسساته ومرافقه وحتى عن بعض صروحه العلمية؟

إن الوزراء الحاليين الذين أثبتوا جدارتهم في تحمل المسؤوليات بأدائهم المميز يستحقون الترحيب بإعادة تكليفهم، ضمن حكومة توفر دوراً راجحاً لرئيس الجمهورية و تعكس ميزان نتائج الإنتخابات النيابية و الخيار الشعبي بضمّ شخصيات مؤهلة وكفوءة وخبيرة تحظى بالإحترام و التقدير. كما يحلو تطعيم الحكومة العتيدة بوجوه إغترابية مرموقة بمواهبها وإنجازاتها ودعمها لحرية وسيادة وإستقلال لبنان، وإغناء رصيدها بسيدات مشرقات.

يدرك اللبنانيون المتنورون فداحة الخسائر التي تكبدوها من جراء الأطماع المحدقة بوطنهم و بسب ضعف في المناعة نتج عن الإخلال بالولاء الوطني.

فهل تحل نعمة الوفاء والصفاء على قلوب المسحورين بسطوة السلاح فيرون في لبنان جنة يانعة، عامرة وحصينة خافقة بالحياة، لا قاعدة عسكرية قاحلة دائمة التأهب مرهونة لمشيئة الغير تنحبس فيها الأنفاس تحسباً للأوامر المفاجئة؟

*مهندس و أكاديمي باحث في الشؤون اللبنانية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل