#adsense

إيران… وانقلاب السحر على الساحر

حجم الخط

إيران… وانقلاب السحر على الساحر
عبدو شامي

قمعت القيادة الإيرانية التظاهرات العارمة التي اجتاحت بلادها احتجاجاً على الإنتخابات المتنازع على نتيجتها والتي أجريت في 12 حزيران 2009، لكنها انتقلت من الشوارع الى صراع خلف الستار يقسم المؤسسة الدينية الى معسكرين متنافسين، وسط قاعدة شعبية ناقمة على نظام ديكتاتوري ظالم، بنى دولته على القمع والدم والإغتيال، وكل ما يخالف القيم الأخلاقية والدينية التي ينسب نظامه الظلامي اليها زوراً وبهتاناً.

كشف النزاع حول تزوير الإنتخابات عن خلافات لم يسبق لها مثيل داخل النخبة الحاكمة في إيران، وصلت الى حد زعزعة أركان نظرية "ولاية الفقيه" المطلقة، وكسر هيبتها أمام الشعب الإيراني ومن يلتزم إتباعها في العالم، وهو ما برز بوضوح مع إشعال ليل طهران والمدن الأخرى بهتافات "الله اكبر" التي إن عنت شيئا فإنما تعني لجوء الشعب الإيراني الى الله ليعينه على "الولي الفقيه" والنظام الذي يتحكّم بمفاصله، بعدما أعلن انحيازه لتلميذه المطيع أحمدي نجاد وأمر بقمع المحتجين بالحديد والنار؛ وكالعادة تهمة العمالة جاهزة للإستخدام: "مجموعات مدعومة ومحرّضة من الإستخبارات الأميركية والبريطانية والغرب"!

وكانت حصيلة أسوأ موجة اضطرابات تشهدها إيران منذ "الثورة الخمينية" عام 1979: مقتل نحو عشرين شخصاً، وتوقيف أكثر من ألفين آخرين بينهم 70 أستاذاً جامعياً وما يقرب من 40 صحافياً وعاملاً بالإعلام، وإغلاق صحف وتعطيل مواقع إلكترونية، فيما اعتُبر أكثر من مئتي شخص في عداد المفقودين لاسيّما مع إقدام أفراد ميليشيات "الباسيج" الهمجية على خطف جرحى من المستشفيات.

إن الثورة الخضراء التي أشعلتها عملية التزوير في الإنتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، وما استتبعها من حركة احتجاجات شعبية واسعة النطاق في مجمل المدن الكبرى، رافقتها مسيرات حاشدة تجاوز بعضها المليون متظاهر، إضافة الى عمليات قطع الطرق وإحراق السيارات وحافلات النقل الجماعي، وتكسير بعض الأملاك العامة والخاصة، وسقوط قتلى وجرحى، فيما أوحى بأنها ثورة على النظام المتهالك نفسه، هذه المشاهد مجتمعة ذكّرت اللبنانيين بالأحداث الأليمة التي عاشوها خلال السنوات الأربع الماضية، والتي يمكن إيجازها باللائحة الاتية:

1- غزوة الأشرفية في 5 شباط 2006، التي أراد مفتعلوها إظهار المسلمين السنّة بصورة الهمَج الحاقدين على شركائهم المسيحيين في الوطن، في محاولة للإيقاع بين "القوات اللبنانية" و"تيار المستقبل" من جهة، وإظهار الشيعة الممثلين بـحزب ولاية الفقيه بالوجه الحضاري المسالم من جهة أخرى، وبالتالي إقناع المسيحيين العونيين بجدوى التحالف المرتقب في اليوم التالي مع حزب ولاية الفقيه "المعتدل"، في وجه "التطرّف والإرهاب" السُنِّي الذي يتحالف معه الدكتور سمير جعجع.

2- أعمال الشغب التي اندلعت في 1/6/2006 على خلفية عرض إحدى المحطات برنامجاً فكاهياً تناول شخصية أمين عام حزب ولاية الفقيه؛ فما إن انتهى البرنامج حتى نزل آلاف من مناصري الحزب إلى الشوارع مستنكرين ما اعتبروه مساساً بشخص "سيِّد مقاومتهم"، ومتخذين من ذلك "السكتش" ذريعة لأعمال شغب وتخريب واسعة النطاق.

3- مصادرة نظام ولاية الفقيه قراري الحرب والسلم من يد الدولة اللبنانية، وإقحامه لبنان في حرب تموز2006 المدمّرة التي دامت 33 يوماً، حاصدة 1300 قتيل و4000 جريح، ما أعاد لبنان سنوات عدة إلى الوراء.

4- احتلال وسط بيروت التجاري مع الإعتصام الذي شلّ الدولة والإقتصاد، وتنظيم تظاهرات حاشدة صفراء وخضراء وبرتقالية لإسقاط حكومة الإستقلال الثاني أواخر العام 2006.

5- التحركات الإنقلابية التي بدأ معها مسلسل الاحتكاك بأهالي بيروت ومختلف المناطق، حيث حصلت صدامات واعتداءات على النظام العام، وعلى الأحياء البيروتية الآمنة، واستُخدم السلاح في نطاق ضيِّق، لا سيَّما يومي 23و25/1/2007، وكانت حصيلة اليوم الأسود في23/1/2007: ثلاثة قتلى وأكثر من 150 جريحاً.

6- وأخيراً وليس آخراً أحداث 7 أيار2008 الإرهابية "المجيدة"، التي بلغت معها أفعال المعارضة الموجّهة والمدعومة من المحور السوري – الإيراني أقصى مداها في التحرك العنفي، قطعت خلالها معظم طرق العاصمة بالإطارات المشتعلة والعوائق الإسمنتية والسواتر الترابية والسيارات المحروقة، وانتشرت معها ميليشيات المعارضة المسلحة في الشوارع، فاحتلت العاصمة بيروت وأقفلت المطار والمرفأ وعزلت لبنان عن العالم؛ وما لبثت الفتنة أن امتدت الى الجبل مع محاولة اقتحامه وبقية المدن الكبرى، موقعة أكثر من ثمانين قتيلاً وعدداً كبيراً من الجرحى.

هذا على الصعيد اللبناني الداخلي، أما على الصعيد الإقليمي فقد ذاقت دول المنطقة الويلات بسبب تدخل "نظام ولاية الفقيه" في شؤونها الداخلية، تلك النظرية الإستعبادية التي باسمها وبشعاراتها وبسياساتها يجري اشعال حروب وفتن في المنطقة وداخل المجتمعات العربية والإسلامية:

1- الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001 تمّ بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، الذي قدَّم مساعدة عسكرية مباشرة لأميركا سهَّلت عليها احتلال تلك البلاد. ثم استُكمل التعاون العسكري الأميركي- الإيراني المشترك في اجتياح العراق واحتلاله عام 2003؛ وقد سقط في هاتين الحربين مئات آلاف الضحايا بين قتيل وجريح.

2- في فلسطين، أدى التدخل الإيراني السافر الى شق الصف الفلسطيني وشرذمته ليصبح الفلسطينيون منقسمين الى دولتين داخل فتات الأراضي المحتلة، مع انقلاب حركة "حماس" الدموي في حزيران 2007، الذي استتبع نكبة جديدة في غزة أعادت أهلها الى العام1948 حيث عادوا للنوم في الخيام، مع توريط نظام ولاية الفقيه نهاية عام 2008 حركة "حماس" التي رضيت بتسليم قرارها للمحور السوري – الإيراني في أتون محرقة جديدة، دامت 22 يوماً وحصدت 1440 قتيلاً وأكثر من 5880 جريحاً.

3- يضاف الى السجل الذهبي لنظام ولاية الفقيه: الوصاية القاسية التي يفرضها على سوريا، واحتلاله الأهواز العربية والجزر الإماراتية الثلاث، ودعمه الإنفصال الحوثي في اليمن، وحملات التشيّع في المغرب والجزائر، ومحاولة انتاج ودعم معارضات في البحرين والسعودية، وصولاً الى استباحة الأراضي المصرية في نيسان2009 بواسطة خلية تعمل على تهريب أسلحة ومتفجرات، وتجنيد واستقطاب عناصر تأتمر بها هناك، بغرض تنفيذ مخطط تخريبي يمس الأمن القومي المصري.

ونحن إذ نستعرض في سياق تحدّثنا عن الثورة المجيدة التي تشهدها إيران اليوم هذه المحطات التاريخية الأليمة التي شهدتها شعوب المنطقة من جرّاء تسلّط نظام ولاية الفقيه ومشروعه الإقليمي عليها، لا نبتغي أبداً إظهار الشماتة، إنما نقصد من ذلك العرض: إظهار حكمة الله تعالى الذي يُمهل ولا يهمل، فبدلاً من تفرّغ النظام الإيراني لشرذمة شعوب المنطقة تصديراً لثورته، إذ به يُجبَر على الإرتداد إلى ساحته الداخليّة ليواجه أكبر انتفاضة شعبيّة يعرفها الشرق الأوسط منذ أيّام "الثورة الإيرانيّة" نفسها، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر، فطبّاخ السمّ لابد أن يذوقه يوماً ما، ولا بدّ للسحر أن ينقلب على الساحر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل