#adsense

استقلال بحاجة إلى.. استقلال!!

حجم الخط

استقلال بحاجة إلى.. استقلال!!

يتساءل اللبنانيون عميقاً وبصمت متأمل طارحين على أنفسهم السؤال المرير لما يشاهدون ويسمعون هذه الأيام، خصوصاً أنهم قاموا بواجبهم على أكمل وجه في انتخابات العام 2009: هل نحن وطن مستقل فعلاً؟ هل نحن شعب يتمتع باستقلال تام عن أية تبعية؟ هل نحن فعلاً دولة ذات سيادة فرضت حضورها المستقل في محافل العالم الدولية؟ إذا ما أردنا الصدق مع أنفسنا، لسنا أكثر من وطن سيظل يحلم بالاستقلال، وسيظل يحاول أن يحققه بين كبوتين أو إحباطين أو حتى حربين. عملياً لسنا أكثر من شعب ذي نزعة استقلالية شديدة، وهو مدهش في إعجاز فرديته، ومحزن في تهتك نسيج جماعته!!

انتهت همروجة الانتخابات، وشعر اللبنانيون ذوو النزعة الاستقلالية بأنهم انتصروا، وشعر اللبنانيون ذوو النزعة المحورية أنهم لم يخسروا على اعتبار أنهم خاضوا الانتخابات تحت عنوان أن لا شيء سيتغيّر، فالشراكة بالتعطيل ستبقى تغل يد الحكومات، حتى ينجلي مصير الجولان وتتضح الرؤية النووية في إيران وكان أمر الله قدراً مقدوراً!! ولا ينخدعن أحد بأن مصيرنا معلّق على هذين العنوانين، راجعوا تاريخنا ستجدون لكل حقبة عناوينها التبعية!!

للحظة، قد تبدو الصورة شديدة القتامة، وطن بدول كثيرة، وبشبه مشروع قيام دولة!! وشعب بانتماءات عديدة ولا وطن بل شبه وطن، وبلد "ساحة" في السياسة، وفي السياحة أيضاً، أليست مفارقة أن تحتل بيروت المرتبة الأولى عالمياً كمقصد للسياح منذ أيام قليلة، وأن تتفوق على عواصم الدول العظمى، قد يكون هذا سرّنا، إذا انغلقنا "متنا"، وكلّما شرّعنا أنفسنا لأنواء الخارج إما "دمرنا" أو"ازدهرنا"!!

لا يحدث إلا في لبنان أن تصدر تعليقات من كلّ دول العالم لتطالب بتعجيل تشكيل الحكومة، ولا يحدث إلا في لبنان احتمال أن تصبح حتى التعيينات الداخلية الإدارية شرارة اندلاع حرب داحس والغبراء.. ولا يحدث إلا في لبنان، أن يشط ويمط تأليف أية حكومة، ويحتاج إلى عمليات قيصرية واستنفار عالمي، ثم تولد الحكومات بالكاد يتغيّر فيها بعض الأسماء، وتتعايش متى راوح ستاتيكو المنطقة في هدأة الانتظار، وتتفجر من داخلها، متى استيقظت وحوش الصراعات الإقليمية!!ولا يحدث إلا في لبنان أن تصبح الرياضة في كرة القدم مذهبية، وفي كرة السلّة طائفية، هل سمعتم أحد مسؤولي النوادي يقول بالأمس أن رئيس الجمهورية شاء أم أبى مسؤول عن فريق النادي لأن رئيس مجلس النواب يدعم فريقاً، ورئيس الحكومة يدعم أفرقاء آخرين، وناشد القيادات المسيحية أن تهب لنجدة النادي، هذا يعني أن أي ماتش بين فريقين قد يتسبب في اندلاع حرب طائفية جديدة!!

ليس هناك أصعب على أي لبناني، راهن طويلاً على أنه سينتزع استقلال وطنه وسيادته وحريته من بين أنياب المحاور الإقليمية وكل الطامعين، أن يكتشف الحقيقة المرة بأننا أصبحنا محشورين أكثر من أي وقت مضى بين نابيْ محاور المنطقة، وأن هناك استحالة لخروجنا من هذه الحشرة، ولسبب بسيط لأننا لا نريد أن نخرج، لأننا ما زلنا طوائف، والعلة ـ حتى لا تظل الطائفية الممسحة التي نمسح بها كل خطايانا المميتة ـ تكمن فينا، لا في الطوائف ولا في أديانها، نحن مجموعة "قطعان" على وجه الحقيقة، أحياناً نلعب دور "الغنمات" متى هدأنا وغازلنا بعضنا بالعيش المشترك، ثم أحياناً أخرى يصيبنا المسّ اللبناني المجنون فنصبح "شلعة معزي" تعيث خراباً في الأرض!! وأحياناً يصيبنا المسّ الشيطاني فنلعب كلنا دور ذئاب تنهش بعضها، مع أن الذئاب من أكثر الحيوانات المفترسة اجتماعاً وتعيش منظمّة في طاعة الجماعة!!

إذا صدَقْنا مع أنفسنا، قد نفهم "التُّوك"، وسبب العلّة، ولكن، لن نعثر أبداً على دواء لها، هي كالأمراض المستعصية التي لا شفاء منها، ولا تلوح في أفقنا بارقة توحي بأننا سنتحول من الحال "الغنميّة – العنزاوية" إلى الحالة "المواطنية"، فننتمي لوطن، لا لطوائف، ننتمي لوطن لا لمجموعة زعامات، متى نخرج من قمقم الانكماش الضيق إلى فضاء المواطنية الحقيقية؟!!

المدهش أننا كمجموعات بشرية تعيش على أرض واحدة، يُخيّل إلينا أحياناً أننا أصبحنا شعباً واحداً، ثم فجأة نكتشف أن كل اختلاف سياسي بيننا يحدث شرخاً عميقاً، لا يختلف لبنان كثيراً عن العالم العربي، بل هو أهم تجلٍّ لصورة هذا العالم القبليّة الحادّة الحقيقية، منذ حرب البسوس، وداحس والغبراء، ومنذ ذبح عمرو بن كلثوم التغلبي النعمان بن المنذر لأن أم الملك النعمان قالت لليلى أم عمرو رأس قبيلة تغلب: "ناوليني الطبق"!! فصرخت:واذلاه واتغلباه لأن كرامتها أهينت أيما إهانة، فسمع عمرو صرختها فلم ينتظر ليسألها عن السبب، بل "شخط النعمان عالبلوعة، "بالإذن من باب الحارة"، ثم "طرقنا" عمرو تلك المعلقة الشهيرة:

"ملأنا البحر حتى ضاق عنا/ وظهر البحر نملأه سفينا

ألا لا يجهلن أحد علينا/ فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا"

هذا "طبق" من أيام الجاهلية تسبب في مقتل ملك، لم يتغيّر علينا اليوم شيءٌ، ففي ساحة السياحة نمدّ الأطباق ونزقّها وما أكثر أطباقنا اللبنانية، أما في ساحة السياسة، فلنا أيضاً حكاية عجيبة تشبه أحجية: "طبق طبقكو طبق في طبق طبقنا، زي ما طبق طبقنا طبق في طبق طبقكو"!! عملياً الكلمة المثلى في هذا المقام: "خلّي الطابق والطبق مستور أو مكسور" لا فرق!!

قديماً، قالت السيدة الجليلة رابعة العدوية في أحد مجالسها: "استغفارنا يحتاج إلى استغفار" من شدّة تحريها الصدق مع الله، حالنا في هذا المشهد الحكومي "التأليفوي" ألا نضطر إلى سماع اعتذار لأننا لم نقبل بما عرض علينا – هل تذكرون ذاك الاعتذار الشهير – عملياً نحن نحتاج إلى أن نَصْدق أنفسنا القول ونعترف بأنّ "استقلالنا بحاجة إلى استقلال"!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل