تحديات المربع اللبناني !
قبل الاستشارات النيابية، وقبل تكليفه تأليف الحكومة العتيدة، حرص الرئيس المكلف سعد الحريري على اعطاء تعريف واضح جدا ومقتضب جدا للحكومة التي يرغب في ان يرأسها:
"حكومة تلم الشمل وتكون قادرة على العمل".
قال هذا لمجلة "نيوزويك". وهو كلام، على اقتضابه ووضوحه، لا يقوم فحسب على النية الحسنة والرغبة في فتح صفحة جديدة في عمل السلطة التنفيذية التي اعتلّت لشدة التعطيل في الاعوام الاخيرة، بل يقوم ايضا على نوعين من التحدي في هذا البلد الذي تتقاطع فيه المصالح الخارجية بالخطط الداخلية، وتزدحم عند البناء الحكومي فيه العقد والعراقيل والانانيات، ويزيد فيه عدد العصي على عدد العجلات ناهيك بما يتم دسه من الغام في الطريق حتى قبل التقليع.
❑ التحدي الاول هو "لمّ الشمل"، بعد تاريخ طويل من التدخلات التي ولّدت الصراعات والانقسامات بين اللبنانيين على قاعدة "فرّق تسد" او بالاحرى "فرق تتحكم".
❑ اما التحدي الثاني فهو "القدرة الحكومية على العمل" بدفع ذاتي وقرار لبناني وارادة وطنية بعد تاريخ طويل كانت فيه الحكومات مجرد مقطورات لا قاطرات. ثم جاء وقت صارت فيه مجرد موظفين او مندوبين. وعندما ولدت اول حكومة من الرحم السياسي اللبناني عام 2005، "فقشت ماء الخلافات" فكان التعطيل والثلث المعطل او الضامن.
واذا اضفنا الى هذين النوعين من التحديات الجذرية العميقة، التحدي الذاتي الذي يقيمه سعد الحريري على نفسه، من منطلق حرصه الاكيد والمحق على ان يبدأ حياته في نادي رؤساء الحكومات من مكان مميز، وهو اولا زعيم اكثرية راجحة افرزتها الانتخابات، وثانيا حامل وصية معنوية وإرث وطني، بمعنى ان والده قاد ورشة إعادة إعمار لبنان، وهو يريد ان يقود ورشة اعادة لمّ شمل لبنان والمضي قدما في اعماره سياسيا واقتصاديا وتنمويا وثقافيا وانتاجيا، وهذا ما دأب على اعلانه اخيرا.
اذا اضفنا كل هذا يمكن فهم سياسة التؤدة والتأني التي يتبعها سعد الحريري الآن في اتصالاته ومشاوراته لتأليف الحكومة العتيدة.
❑ ❑ ❑
ان العمل على استيلاد الحكومة من داخل غرفة العناية الفائقة، اذا صح التعبير، يصطدم بأمرين، او بالاحرى يواجه مبالغتين:
❑ اولا: مبالغة اللبنانيين في استعجال ولادة الحكومة وخصوصا في ظل فوز الاكثرية بالانتخابات، رغم ان في الاكثرية جوعا استيزاريا يوازي جوع المعارضة الى رؤية الحريري يواجه العراقيل والجدران المقفلة.
❑ ثانيا: المبالغة عبر قيام اوساط حزبية وسياسية واصحاب مخيلات خصبة في التحليل باسقاط او بسحب الحراك العربي، وتحديدا السعودي – السوري – المصري، على عملية التشكيل، ثم اضافة الارادات والرغبات الدولية على هذه الخريطة المعقدة اصلا، بما يوحي ان عملية تأليف الحكومة هي لعبة شطرنج عربية – دولية قد تحتاج الى تسوية نصف مشاكل العالم قبل ان تولد.
لقد وصلت الامور الى حد القاء "الحجارة الثقيلة" في المياه الحريرية الهادئة والرائقة للتأليف، كالقول مثلا ان على الرئيس المكلف ان يزور سوريا قبل التأليف، وان على الكتل النيابية ان تذهب الى دمشق، بما يعني سياسيا ان الحكومة اللبنانية الحريرية ستولد من "الرحم السوري السياسي"، وهو ما يوازي "طربقة" السماء على رؤوس مؤيدي حركة 14 آذار في الانتخابات (!) وليس هناك في الواقع ما يؤكد ان سوريا وصلت في مطالباتها الى هذا الحد!
يعرف الرئيس المكلف ان هناك من يعكف على ضخ هذه الاجواء ودس هذه الايحاءات وترويج هذه الاشاعات، فليس سهلا على شرائح في المعارضة خسرت الانتخابات، ان تسهّل عليه تأليف حكومة "لمّ الشمل والقدرة على العمل"، بما يدفع الماضي القريب لهذه الشرائح بالعرقلة والتعطيل، وبما يفتح الابواب امام الاكثرية لمزيد من النجاحات، اولا بقيام حكومة عمل وإنتاج عناوينها واضحة تقريبا، وثانيا بتوسيع قواعدها الشعبية لتحقق نجاحا كاسحا في الانتخابات البلدية السنة المقبلة والنيابية سنة 2013.
ولذلك حرص الحريري يوم السبت الماضي على ان يكشح الضباب الكثيف والتعمية المتزايدة عندما زار قصر بعبدا وتداول مع الرئيس ميشال سليمان في مساعي التأليف، بما اعاد الامور الى المربع اللبناني حيث يمضي الرئيس الحريري في مشاوراته على قاعدة الاستعانة بالتأني والكتمان، وخصوصا ان الحكومات في لبنان، وسط خريطة العقد والتدخلات، ليست سحرا يقوم باخراج "التشكيلات" من القبعات بل صيغ دقيقة ومعادلات حساسة، وخصوصا لانها تريد لمّ الشمل والعمل!
❑ ❑ ❑
لقد بلغت الوقاحة حد الوساخة عند العدو الاسرائيلي عندما هدد بنيامين نتنياهو الحكومة اللبنانية بتحمل نتائج "تشريع حزب الله" ولكأن الحزب ليس شرعيا وليس جزءا اساسيا من هذا الشعب والبلد ذي السيادة وقد حقق له انتصارات على اسرائيل.
وكما رد الحريري امس على وقاحة نتنياهو وتهديده الفظ، فان لبنان هو الذي يتعرض للعدوان وللخروق الاسرائيلية وان من واجب المجتمع الدولي ان يتنبّه لهذه المواقف المرفوضة وينبّه اسرائيل من اي اخطار تهدد امن لبنان وسيادته.