بعدما حسمت نتائج الانتخابات الصراع بين خطين سياسيين
العلاقات اللبنانية – السورية تسير على إيقاع العلاقات السعودية – السورية
هل يمكن القول ان تذويب 8 و14 آذار توصلاً الى اعادة خلط الاوراق قد بدأ كما توقع الرئيس بري، فكان بعض من في 14 آذار مع تجديد ولايته وبعض آخر ضد تجديدها فانتخب بأوراق بيضاء، وان الخطوة التالية في عملية التذويب وخلط الأوراق قد تكتمل مع تشكيل الحكومة الجديدة فلا يعود ثمة خلاف على الأرقام والحصص وتصبح الحكومة ممثلة لكل القوى السياسية الأساسية في البلاد وتكون عندئذ فعلاً لا قولاً حكومة وحدة وطنية متجانسة لا تجمع بين أضداد بل بين من يلتقون على برنامج عمل واحد كي تكون حكومة قادرة على العمل والانتاج خصوصاً في ظروف دقيقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً ومالياً.
وهل يمكن القول أيضاً ان زيارة النائب الكتائبي سامي الجميل للنائب سليمان فرنجية في بنشعي هي بداية قيام تحالف جديد يخلط الاوراق أيضاً او بداية تحقيق وحدة صف مسيحي بعد اتصالات تجرى مع "التيار الوطني الحر" يبنى على وحدة الهدف، خصوصاً انه سبق هذه الزيارة دعوة لرئيس الهيئة التنفيذية، للقوات اللبنانية" سمير جعجع في مؤتمر صحافي له اثر انتهاء الانتخابات، الى كل من العماد ميشال عون رئيس "التيار الوطني الحر" والى النائب سليمان فرنجية رئيس "تيار المردة" الى التلاقي والتفاهم على المواضيع التي لا خلاف عليها من أجل مواجهة المرحلة الدقيقة بتضامن ووحدة موقف.
وكان رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط من جهته قد سبق الجميع عبر لقاءاته بالرئيس بري وبالأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله وباحاديثه التي تميزت بمواقفه فيها عن بعض أركان قوى 14 آذار، الى اعطاء أول إشارة لعملية خلط الأوراق وتذويب نتائج الانتخابات النيابية في تحالفات جديدة بحيث بات أقرب بأفكاره المستجدة الى بعض قوى 8 آذار من بعض قوى 14 آذار ولا سيما "الكتائب" و"القوات اللبنانية" ربما لأنه لم ينس بعد انه قبل على مضض التضحية بمرشحين للانتخابات محسوبين عليه لمصلحة مرشحين ينتمون الى هذين الحزبين.
والسؤال المطروح هو: ما الذي قد يجعل نتائج الانتخابات النيابية تذوب في تكتلات او تحالفات جديدة وهي نتائج لم تكن لتحصل لو لم يتنافس فيها مرشحون تابعون لقوى 8 و14 آذار ولكل منهم خطه السياسي، خط الدفاع عن السيادة والاستقلال والكيان وخط آخر اعتبره مرشحو 14 آذار يهدد السيادة والاستقلال والكيان، وهل يكون الاصطفاف الجديد وطنياً ام مذهبياً، ام يكون نتيجة مصالحة وطنية شاملة تواكب المصالحات العربية وتسير على ايقاعها نحو التضامن من اجل مواجهة خطر اسرائيل المتجدد بوجود حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة.
ثمة من يقول ان "التحالف الشيعي" الذي يتحكم بالتحالفات الاخرى ويختزل وحده الطائفة ويحتكر قرارها خصوصاً وهو الأكثر والأقوى تسلحاً، ينبغي ان يقابله تحالف طائفي آخر وان أدى ذلك الى قيام نظام جديد للبنان هو نظام "فيدرالية الطوائف" إذا ظلت "السياسة التوافقية" هي السياسة التي تلائم الوضع في لبنان وتركيبته الدقيقة، ولم تعد "الديموقراطية العددية" هي الملائمة.
وثمة من يقول ان الوضع في لبنان وفي المنطقة بعد الانتخابات النيابية بات مختلفاً عما كان عليه قبلها ذلك ان نتائج هذه الانتخابات حسمت الصراع الذي كان قوياً وشديداً بين المحور السوري – الايراني والمحور المناهض له بدعم من الغرب وعرب الاعتدال، فلو ان هذا المحور هو الذي فاز بالأكثرية النيابية في الانتخابات، لكانت صورة الوضع مختلفة في لبنان والمنطقة، ولكانت هذه الأكثرية الجديدة هي التي حكمت بدعم سوري – ايراني وان كان هذا الحكم سيواجه ارباكات واضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية، ولكانت المنطقة باتت أقرب الى الحرب منها الى السلام.
أما وقد فازت قوى 14 آذار المناهضة لهذا المحور، بالأكثرية النيابية، فان صورة الوضع باتت مختلفة، فلا ايران ولا سوريا على الأخص لهما مصلحة في ارباك الوضع لا في لبنان ولا في المنطقة فيما الجهود تبذل لتحويل المصالحات العربية التي انطلقت من قمة الكويت الى تضامن عربي قادر على مواجهة التطرف الاسرائيلي ليس في وجه العرب فحسب، بل في وجه الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي، وانه لا بد من ان يساعد تحقيق هذا التضامن على كسر شوكة التطرف الاسرائيلي بدعم اميركي واوروبي كي تسلك مفاوضات السلام الطريق الصحيح نحو التسوية الشاملة والعادلة في المنطقة.
الى ذلك، لا بد من ان ينعكس الوضع العربي السائر نحو التفاهم والتضامن لا سيما بين السعودية ومصر من جهة وسوريا من جهة أخرى على الوضع في لبنان بحيث لا يعود معنى لاستمرار انقسام اللبنانيين بين من هم مع 8 ومن هم مع 14 آذار.
فاذا كان الموضوع الاساسي الذي يفرق فيما بينهم هو المحور السوري الايراني، فان نتائج الانتخابات حسمت الخلاف حوله. واذا كان سلاح "حزب الله" هو الموضوع الآخر فان هذا السلاح لا يعالج جذرياً الا بالتوصل الى تحقيق سلام مع اسرائيل وهو ما تعمل له الولايات المتحدة الاميركية وروسيا والاتحاد الاوروبي والعرب بجد، عله يتحقق قبل نهاية العام المقبل، وباعتبار ان جميع القوى السياسية الاساسية في البلاد متفقة على القول ان هذا السلاح لا يمكن نزعه بالقوة بل بالحوار الداخلي وبالمفاوضات مع اسرائيل توصلاً الى تحقيق سلام لا يعود في حاجة الى وجود اي سلاح خارج الشرعية.
اما العلاقات اللبنانية – السورية التي هي من مواضيع الخلاف بين اللبنانيين، فانها تسلك الطريق السليم نحو تحسينها بالتوازي مع تحسن العلاقات السعودية المصرية السورية ويكون من أسس تحسينها تسهيل تشكيل حكومة وحدة وطنية تلتزم تنفيذ ما لم يتم تنفيذه حتى الآن في ما يتعلق بترسيم الحدود ومنها حدود مزارع شبعا، وازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها، وبت ملف المفقودين اللبنانيين والمعتقلين في السجون السورية حتى اذا ما قام الرئيس الحريري بزيارة سوريا فان تحقيق كل ذلك يكون مبرراً كافياً للقيام بها فيصح القول عندئذ، اذا كانت باريس تساوي قداساً في رأي الملك هنري الرابع، فان تحقيق هذه المطالب اللبنانية يساوي زيارة دمشق.