بين "طي" الزيارة و"إنضاج" ظروفها والتوظيف السلبي للحركة تجاه دمشق
كيف يكون الجهد منصباً لإنتاج التسوية اللبنانية ـ السورية؟
بصرف النظر عمن هو المسؤول عن السجال الذي اخترق الانهماك اللبناني بتشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، وخلفياته وأهدافه، فثمة انطباع أكيد في بعض الأوساط المراقبة بأن ثمة أزمة حوار بين اللبنانيين من جهة، وبين لبنان وسوريا من جهة ثانية، لا بدّ من مواجهتها عاجلاً أم آجلاً.
ذلك أن السجال الدائر في هذه المرحلة حول زيارة رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري لدمشق، وجدواها، وما إذا كانت ستتم قبل إنجاز التشكيل أو بعده، وهل ستكون تتويجاً لتقارب سوري سعودي، أم "مكافأة" لدمشق على عدم تدخلها في الانتخابات النيابية بثمن هو إشراكها ولو إعلامياً في الشأن الحكومي اللبناني، ومن ثم الايحاء بوقائع وأهداف غير صحيحة هدفها إرباك الرئيس المكلف وإحراجه أمام حلفائه وجمهور قوى الأكثرية، والشارع السني تحديداً، بل والإيقاع بينه وبين رئيس الجمهورية. كل ذلك يعكس بصورة واضحة مسألة العلاقة بسوريا والتي تطرح غالباً بين حدّي الافراط والتفريط، وقلما تسلك طريق الاعتدال والتوازن، واعتبارات المصالح التي ترعى، عادة، العلاقات بين الدول ذات السيادة.
فالرئيس الحريري حال زيارته دمشق لن يزورها بصفته الشخصية، بل رئيساً لحكومة كل لبنان، وبالتنسيق مع رئيس الجمهورية وأطراف الأكثرية، وقبل ذلك وبعده بجدول أعمال يقارب الملفات الضرورية العالقة بين البلدين بمنطق العلاقات من دولة الى دولة.
زيارة دمشق بين العرض والطلب
ووفق أكثر من مصدر ديبلوماسي متابع، فإن سوريا طلبت فعلاً من المملكة العربية السعودية، من خلال مجموعة من الاقتراحات التي تصب في الاتجاه نفسه، أن يقوم الرئيس المكلف بزيارة دمشق قبل تشكيل الحكومة، كشرط للتعاون مع حكومته، مع ما تحمله هذه الخطوة من احتمالات التوظيف والتفسير والحمل على غير معناها، إذ لن يكون من الممكن فهمُ الزيارة على أنها تندرج في إطار سلسلة الجولات التي قام بها الرئيس الحريري على عدد من العواصم العربية المعنية بالشأن اللبناني، بل ستقرأ وقد تعمد دمشق الى تسويقها على أنها نزع للاتهام السياسي عن سوريا باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبأن سوريا لا تزال مالكة مفتاح الاستقرار السياسي في لبنان بعدما أثبتت في أكثر من محطة على امتداد السنوات الأربع الماضية أنها تملك مفاتيح الاستقرار الأمني فيه.
والحال أن خطوة كهذه من الرئيس الحريري قد تفتح الباب أمام دمشق للعودة إلى لبنان مجدداً من الباب الحكومي العريض، فتحقق سوريا بذلك مجموعة أهداف في آن معاً، كالايحاء للمجتمعين العربي والدولي بعودة نفوذها الى لبنان على قاعدة امتلاكها مفاتيح الحل فيه، ضرب وحدة فريق الأكثرية ومعه تفريغ ما أنتجه يوم 7 حزيران، وادخال عملية التشكيل في بازار المزايدات مع احتمال كبير، بل ومرجح، بأن لا تقدم دمشق على إعطاء أي مقابل تجاه كل ذلك.
إذاً، تبدو الشروط التي طلبتها دمشق تعجيزية ، وخصوصاً أن لبنان لم يتجاوز بعد أخطاء سوء إدارة العلاقة بين البلدين الذي مارسه نظام الوصاية منذ اتفاق الطائف، وخصوصاً أيضاً أن الرئيس الحريري وقوى 14 آذار هم الغالبية النيابية التي فازت في الانتخابات وهم في موقع "شرعي" يفترض أن يخولهم تشكيل الحكومة وفق الاعتبارات الوطنية والميثاقية من دون منطق الإملاء والمحاصصة والتفخيخ، ومن دون الضغط بواسطة أطراف داخليين بإعادة انتاج 7 أيار جديد لتحصيل مكاسب في الحكومة العتيدة.
بين "طي" الزيارة و"انضاج" ظروفها
وبرأي الأوساط المراقبة، فإنه قد تمّ طي موضوع زيارة الرئيس المكلف الحريري إلى دمشق من أجل إنضاج ظروفها وإعطائها بعدها الحقيقي في تصويب العلاقات مع سوريا تمهيداً لتطبيعها، وهو ما كان بدأه رئيس الجمهورية وأعاد التذكير به قبل يومين، على ان يتابعه الاثنان معا في المرحلة المقبلة، وهذا يفترض، بحسب هؤلاء، إعطاء الرئيس الحريري الوقت الكافي والتسهيلات المطلوبة والابتعاد عن الشروط لإعداد هذه الخطوة وفق الاعتبارات التي تلائم التوقيت اللبناني.
تأسيساً على ذلك، تتابع هذه المصادر، فإن طي موضوع "الزيارة السورية" وربطها بالتوقيت المناسب بعد تأليف الحكومة لا يعني انتظار دور سوري مباشر في تأليف الحكومة، إذ ان هذا الموضوع متروك للداخل اللبناني من دون اغفال علاقة سوريا بأطراف في قوى 8 آذار، وخصوصاً المقربين منها الذين أعادوا منطق الاشتراطات والأثلاث على الرئيس المكلف منذ إعلانه التمسك بـ "لبنانية" الاستحقاق الحكومي. لكن من دون تجاهل الانعكاسات التي يمكن ان تترتب على الاتصالات الاقليمية القائمة سلباً أم ايجاباً.
ومن نافل القول إن الرئيس الحريري أحسن عندما "حسم" الجدل الدائر بإعلانه عبر عبارة مقتضبة قالها في قصر بعبدا على اثر لقائه رئيس الجمهورية ميشال سليمان ان "حكومة لبنان تشكل في لبنان ومراسيمها تصدر من بعبدا وأي كلام آخر غير صحيح"، في جواب واضح أكد "لبنانية" مشاورات التأليف، وبدد القلق الذي ساور اللبنانيين وجمهور قوى 14 آذار حول أي مساومة تفقد الأكثرية النيابية اعتبارها، لكنه أيضاً أكد على أن موقع رئيس الجمهورية لا يمكن تجاهله في الحراك القائم على مستوى الداخل والخارج.
حكومة وحدة أم أضداد
وللتذكير أيضاً، فان الرئيس المكلف أكد منذ تكليفه في 27 حزيران الماضي، أنه يريد حكومة وحدة وطنية، متجانسة، قادرة، ومنتجة، تلحظ هواجس الأطراف كافة، لا تجمع بين أضداد بل بين من يلتقون على برنامج عمل واحد يعلي مرجعية الدولة كي تكون حكومة قادرة على العمل والانتاج خصوصاً في ظروف دقيقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً ومالياً، دون أن يغفل أنه يتطلع الى إلى مصالحة وطنية شاملة تواكب المصالحات العربية وتسير على ايقاعها نحو التضامن من اجل مواجهة خطر اسرائيل المتجدد بوجود حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، ساحباً بموقفه هذا كل ذرائع المترددين بما يقفل باب المزايدات عليه من أول الطريق.
على أن للمسألة وجهاً آخر، هو التوظيف السلبي "المدروس" للانفتاح العربي والدولي على سوريا، وتقديمه على أنه يتصل بأسباب لبنانية حصراً، وهو أمر تنفيه المصادر الديبلوماسية التي تؤكد أن الحركة في اتجاه دمشق والتي قامت بها دول عدة وصادف حصولها بعد الانتخابات النيابية، لا تتصل بواقع مكافأة سوريا على عدم تدخلها في لبنان، بل لها أسباب ومبررات غير لبنان، وهي وهو المهم- أياً كانت طبيعتها لن تكون على حساب لبنان، بل على العكس من ذلك سيجري توظيف أي انفتاح عربي أو غربي مع سوريا لمصلحة لبنان، وهذا هو فحوى الرسالة التي حملها المبعوث الفرنسي كلود غيان الى دمشق الاسبوع الفائت.
وأكثر من ذلك، تضيف هذه المصادر، فإن الانفتاح العربي والغربي على دمشق لن يكون دفعة واحدة، وهو ليس تفويضاً غير مشروط، فزمن الصفقات ولى، بل بموجب قاعدة "خطوة تقابلها خطوة"، وفقا للائحة الطويلة تعتقد هذه الدول أن على سوريا واجب تنفيذها بما يؤكد احترام السيادة الكاملة للبنان، ومنها: كشف مصير المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، وترسيم الحدود، وخصوصاً في منطقة مزارع شبعا كمقدمة لمطالبة اسرائيل بالانسحاب منها، وحل معضلة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وقصر تعاملها على "الدولة" اللبنانية حصراً دون اخضاع علاقة البلدين الى بازار الابتزاز والزواريب والمجموعات والاشخاص، فإذا ما قام الرئيس الحريري بزيارة سوريا بعد تهيئة ظروفها، فإن تحقيق كل ذلك يكون مبرراً للقيام بها، بل ويفتح آفاق علاقة جديدة غير تلك المرسومة في أذهان اللبنانيين.