على الحركة الاستقلاليّة واجب "التكيّف" مع حسابات الانفتاح أو الفتور العربيين تجاه دمشق
وتثقيف جمهورها على هذا الأساس
الحاجة إلى التسوية هي الأفق المركزي للتقارب العربي
هناك مسألة "معرفيّة" بقدر ما هي "سياسيّة" تأخذ وقت كثير من اللبنانيين، وهي تستحق. إنّها مسألة العلاقات القائمة بين السياستين السوريّة والإيرانيّة في المنطقة، وبين النفوذين السوريّ والإيرانيّ في لبنان، وقدرة كلّ منهما على دفع الآخر أو لجمه، وهواجس كلّ منهما تجاه الآخر أو في المقابل الضمانات المعطاة له.
يتخذ طرح هذه المسألة أشكالاً عديدة، تتعدّد بتغيّر المحطّات والظروف. يتّصل بعضها بإحتمالات السلام الإقليميّ في المنطقة. ذلك أنّ فكرة التسوية العربيّة الإسرائيليّة التي انخرطت ضمنها سوريا، في إطار "مرجعيّة مدريد"، هي عنوان لتناقض دفين بين الممانعتين السوريّة والإيرانيّة، وكلّما أعيد تسويق هذه الفكرة – على نحو شامل – تناهت إلى مسامعنا مجدّداً أصداء هذا التناقض الجوفيّ.
وفي الوقت نفسه، فإن إيثار النظام السوريّ معادلة "التفاوض من أجل التفاوض"، طالما بقيَ السلام الشامل مؤجّلاً أو متعذّراً، هو عنوان للتلاقي الوثيق مع السياسات الإيرانيّة التي تحبّذ هي أيضاً "التفاوض من أجل التفاوض" في ما يعنيها من ملفّات، وتحديداً الموضوع النووي.
إلا أنّ المحطتين الحيويّتين اللتين تزوّدان الممانعتين السوريّة والإيرانيّة بالطاقة على "التفاوض من أجل التفاوض"، عنينا بهما ممانعتي "حماس" و"حزب الله"، تخضعان إلى حدّ كبير لمنطق "الملكية المشتركة السوريّة الإيرانيّة" ولو في شكلين مختلفين. فـ"حماس" تبقى بنت التقليد الإخوانيّ في نهاية الأمر، وتعطيها ثنائية "قيادات المنفى" و"قيادات الداخل" متّسعاً من الإستقلاليّة لا بدّ أن تجدَ منظومة الإعتدال الرسميّ العربيّة السبيل لملاقاته وتثميره. وهذا بخلاف "حزب الله" المنتمي مادياً ومعنوياً، وبشكل مباشر إلى الأوساط الأكثر محافظة داخل "الحرس الثوريّ الإيرانيّ" والذي لا يمكن المراهنة حياله، لا على الحراك داخله (كما توهّم البعض في مرحلة خاتمي) ولا على المنزع الإستقلاليّ لحجمه (على طريقة الأحزاب الشيوعيّة الأوروبيّة الغربيّة في أيّام الحرب الباردة التي كلما كبرت نزعت إلى الإستقلال عن موسكو، وكلّما صغرت نزعت إلى التغنّي بتبعيّتها).
لكن ذلك لا يجعل "حزب الله" يفلت من منطق "الملكية المشتركة السوريّة الإيرانيّة" مكتفياً بإيران وحدها. بل لا يسعه حتى التعامل الميدانيّ مع الوقائع على أساس أنّ إيران تأتي أوّلاً وسوريا ثانياً. فهو، ضمن منظومة "الإلتزامات" الممانعة تغذّيه أوّلاً إيران لكنّه يؤدّي الأتاوة أوّلاً لسوريا. أمّا أن تكون سوريا تؤدّي هي بدورها أتاوة من نوع آخر لإيران، فلذلك شأن آخر.
ومثل هذه الطبيعة المعقدة للعلاقات بين إيران وسوريا و"حزب الله" تجعل سوريا تبدو بمثابة المفتاح الوحيد لحلّ المشكلة المستعصية التي اسمها "سلاح حزب الله". وهذا صحيح، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ "حزب الله" هو المحطّة الحيويّة الأساسيّة التي تزوّد النظام السوريّ بقدرته على "الممانعة" و"التفاوض".
والحال أنّه ليس هناك من مخرج فوريّ أو سحريّ من هذه المتاهة، لكنّ ثمّة مجالا لرفع سقف القدرات المعتدلة العربيّة، ومن ضمنها الإستقلاليّة اللبنانيّة، في التعاطي معها، وهذا المجال يكون بإكتشاف "تقاطع المصالح" الجوفيّ، بين التبنّي السوريّ لفكرة التسوية الإقليميّة وبين مبادرة المعتدلين العرب لإنجازها، على قاعدة "مبادرة السلام العربيّة" لعام 2002، والأفكار التي قدّمتها الإدارة الأميركيّة في الفترة الأخيرة.
وفي هذا المجال، على الحركة الإستقلاليّة اللبنانيّة، وخصوصاً في مرحلة إعادة تشكيل المؤسسات الدستوريّة، وفي طليعتها حكومة الرئيس سعد الحريري، أن تميّز جيّداً بين ميادين مختلفة لطرح المسائل اللبنانيّة السوريّة على جدول البحث:
ميدان التلاقي على فكرة "التسويّة الإقليميّة" الشاملة في المنطقة، وضرورة حماية هذه الفكرة من الرافضين لها، وفي طليعتهم القوى المتطرّفة في إسرائيل، التي أطاحت إنقلابياً بعملية السلام يوم إغتيال إسحق رابين، والتي تريد اليوم سدّ منفذ الأمل الذي عبّر عنه الرئيس الأميركيّ باراك أوباما أكبر تعبير في ما عنى إعادة إطلاق شاملة لعملية السلام.
ميدان التلاقي على ضرورة "رعاية" و"ضبط" كلّ أشكال المواجهة العنفية مع العدو الإسرائيليّ على أساس ضرورات الإستفادة "التفاوضية" أو "التسووية"، وبما يمكن لاحقاً من تجاوز هذه الأشكال من دون مضاعفات أهليّة خطيرة، بل وبما من شأنه أن يوسّع آفاق الإستقرار، عندما يصير السلام الشامل واقعاً معاشاً وثابتاً.
ميدان إعادة إكتشاف أنّ ثمّة بالفعل "مصالح حيويّة" متناقضة بين الواقعين السوريّ واللبنانيّ، إلى جانب تلك المشتركة، وفي طليعة هذه المتناقضات حاجة سوريا إلى "حزب الله" كلاعب أساسيّ مرتبط بها، وحاجة إيران إلى سوريا لشغل ما يعادل الوظيفة نفسها.
ميدان الوعي بأنّ "محو آثار الوصاية" يكون بطرح القضايا العالقة في ملفّات مستقلّة، وبشكل عمليّ، وعدم التذرّع بـ"الأخوّة" لأجل تمييع هذه الملفّات.
كلّ هذه الميادين تفرض على الحركة الإستقلاليّة اللبنانيّة أمراً أساسيّاً واضحاً يجري "تثقيف" جمهورها على أساسه: ضرورة التكيّف المتقن والسريع مع منظومة الإعتدال العربيّة كلما فتحت على سوريا، لأنّ هذه الفتحات لا تكون إلا لما فيه خير إستنهاض "مبادرة السلام العربيّة" وتقنين النفوذ الإيرانيّ في المنطقة ورفع سقف المواجهة العربيّة للتطرّف الإسرائيليّ، وفي الوقت نفسه ضرورة التكيّف السريع أيضاً، مع كل لحظة توتّر جديدة بين منظومة الإعتدال العربيّة وبين وسوريا، لأنّ ذلك يكون لدفع سوريا مجدّداً نحو خيارات السلام العربيّ.
فلا يمكن أن يكون للحركة الإستقلالية اللبنانية "نظرية كاملة" بشأن "العلاقات السوريّة الإيرانيّة" يبنى على أساسها، بقدر ما يمكنها أن تطوّر نوعاً من إعتبارات عامّة تنطلق من واقعة تبنّي سوريا لفكرة "السلام الشامل" في مقابل رفض إيران لها، مع عدم التقليل من هذا الإختلاف لأنّه أساسيّ. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تتعامى الحركة الإستقلالية عن واقعة أنّ أسلوب التبني السوري لفكرة "السلام الشامل" ما زال يحكم عليها بالإنخراط في محور واحد مع إيران، في مقابل أسلوب التبنّي العربيّ المعتدل لهذه الفكرة، ولا مخرج عربياً من هذا التناقض، لأنّه يرتبط عضوياً بقدرة الإدارة الأميركيّة الجديدة على ترجمة الشعارات إلى تحدّيات واقعيّة بعنوان كبير، هو "السلام الآن" لعموم المنطقة.
المسألة واضحة، في مختصرها: كي لا تشعر الحركة الإستقلاليّة اللبنانيّة بأي ضيق في المرحلة المقبلة عليها أن تحمل أكثر من سواها في هذه المنطقة، مبادرة السلام العربيّة، فتصير الكتلة الجماهيريّة الأكثر تنظيماً في المنطقة لنصرة هذه الفكرة وتحويلها إلى حركة السلام العربيّة، المنطلقة من مصلحة قوميّة عربيّة أكيدة في أن يكون لأمّة الضاد مكانها المستحق في شرق أوسط يريده البعض إسرائيلياً إيرانيّاً تركيّاً فحسب، بالضدّ من مصالح أكثريّته العربيّة. والحال ان الرؤية التي عنوانها "لبنان أولاً" هي في يومنا هذا أكثر الرؤى إرتباطاً بالفكرة القوميّة العربيّة، في أساسها الصحيح.