بعدما أوعزت إلى حلفائها في لبنان بأن يتمسّكوا بمطالبهم
سوريا تعلن أنها لن تتدخّل وتحدّد مواصفات الحكومة !
وصف ديبلوماسي عربي قول وزير الخارجية السوري وليد المعلم "ان بلاده لن تتدخل في تشكيل الحكومة اللبنانية وان ما يهم سوريا ان تكون حكومة شراكة ووفاق وطني وان يكون لديها رؤية شاملة لطبيعة العلاقات المستقبلية بين البلدين"، بـ"المزحة"، واضاف: "ان مجرد اشتراط الوزير السوري ان تكون الحكومة "حكومة شراكة ووفاق وطني ورؤية شاملة لطبيعة العلاقات مع سوريا" هو تدخل في عينه لانه يضع مواصفات للحكومة وشروطا تبنى عليها العلاقات بين البلدين، وعندما تقول سوريا انها لن تتدخل فمعنى ذلك انها تتدخل لدى حلفائها في قوى 8 آذار كي يظلوا متمسكين بطلب "الثلث المعطل" عله يكون كافيا لتعطيل تشكيلها، الامر الذي يجعل المعنيين يطلبون تدخلها لحل هذه العقدة، ويكون لذلك ثمن.
ولوحظ ان حلفاء سوريا في قوى 8 آذار عندما كانت الاتصالات السعودية – السورية جارية وتبشر بالخير، كان هؤلاء الحلفاء يكتفون بالقول انهم يريدون حكومة شراكة ولم يلفظوا كلمة "الثلث المعطل" ولا جعلوا حصة الرئيس سليمان في الحكومة مشكلة. وعندما بدا ان هذه الاتصالات لم تتوصل الى الاتفاق على كل شيء عاد هؤلاء الى المطالبة وباصرار بـ"الثلث المعطل" والقول بلسان النائب سليمان فرنجيه بعد لقائه العماد ميشال عون في الرابية "ان المعارضة تصر على "الثلث الضامن" وهي تحترم حصة الرئيس ولكن نحن لنا حصتنا والرئيس له حصته". ولفت الى ان الديموقراطية في لبنان اذا تعثرت امام اي رئيس مكلف فعليه ان يعتذر… ونفى وجود اتصالات للرئيس الاسد بالمعارضة وانه "لا يمكن ان يحسم اي موضوع عنا ولا ان يأخذ القرار عنا". الا ان هذا الكلام لا ينطبق على الواقع، لان سوريا تنتظر ان يطلب منها التدخل لدى حلفائها في لبنان كي تعمل على حل مشكلة المطالبة بـ"الثلث المعطل" ويكون لتدخلها ثمن واذا لم يحصل اتفاق تبقى المشكلة بدون حل، ويعود الوضع في لبنان الى ما كان عليه قبل الانتخابات بين الاكثرية والاقلية، وكأن لا انتخابات جرت وغيرت صورة هذا الوضع، وهذا يؤكد قول امين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله قبل الانتخابات: ان المعارضة اذا فازت بالأكثرية فانها تكون ربحت واذا لم تفز بها فانها لا تكون قد خسرت. وهذا معناه ان الاكثرية اذا فازت بها قوى 14 آذار فانها ستواجه مطالبة الاقلية بـ"الثلث المعطل" لكي تكون مشاركتها في الحكومة مشاركة فعلية وليست صورية.
اما قول النائب فرنجيه ان "الرئيس الاسد لا يقرر عنا"، فهو قول ينقضه موقف سابق لفرنجيه عندما عاد في الماضي من دمشق ليقول ان نسبة التمديد للرئيس اميل لحود ارتفعت من 20 في المئة الى 60 في المئة وانه سيصوت للتمديد نزولا عند رغبة الرئيس الاسد وان عن غير اقتناع.
لكن موقف العماد عون هو مع التمثيل النسبي في تشكيل الحكومة وليس مع "الثلث المعطل". ومن جهة اخرى فان سوريا عندما تقول انها لا تتدخل في اي شأن لبناني، لحل اي مشكلة فانها تقول هذا كي تبقى المشكلة من دون حل ولكي يطلب منها التدخل لحلها لانها تستطيع وحدها ان تمون على حلفائها في قوى 8 آذار وتحول الـ"لا" "نعم" والـ"نعم" "لا"…
وليست هي المرة الاولى التي تقول فيها سوريا انها لا تتدخل وهذا في حد ذاته تدخلا كي يتولى حلفاؤها في لبنان العرقلة. او تقول انها تتدخل لا لتسهيل الامور بل لعرقلتها اذا اقتضى الامر ذلك.
ويذكر ان الرئيس الاسد وعد الرئيس رفيق الحريري بعدما جاراه في التمديد للرئيس لحود ولو مكرها، باطلاق يده في تشكيل حكومة جديدة برئاسته وبتعيين الوزراء من دون تدخل من احد، وهو وعد سمعه الحريري من الرئيس بشار شخصيا عندما شكره على تأييده للتمديد، معتبرا ان هذه الخطوة عززت ثقة النظام السوري به ومؤكدا له في الوقت نفسه انه يستطيع ان يشكل الحكومة التي يريد وانه مستعد لان يمنع الرئيس اميل لحود "حتى من السباحة"… اذا حاول عرقلته في مسيرة تشكيل الحكومة كما روى ذلك قريبون جدا من الرئيس الحريري. وسمع الرئيس الحريري ايضا وعدا مماثلا من رستم غزالي الذي التقاه بعد لقائه الاسد، فحرص على اعطائه انطباعا بانه سيسهل مهمته، وقد اعجب الحريري بهذه الوعود انطلاقا من اعتقاده ان تشكيل حكومة له فيها الاكثرية سيمكنه من اعداد قانون للانتخاب يؤمن له ولجنبلاط و"قرنة شهوان" الاكثرية في المجلس الجديد. وعندما باشر الحريري تشكيل الحكومة طلب من غسان سلامة ان يكون وزيرا في حكومته فاجاب سلامة معتذرا واردف قائلا: "لانك لن تشكل الحكومة"… وقد اكد هذا الموقف صحة مخاوف الحريري وشكوكه واستحالة تمكينه من تشكيل الحكومة التي يريد، لكنه ظل يوحي للجميع بانه على قاب قوسين او ادنى من تشكيلها، ولم يكن يريد لصيغة العزوف ان تأتي من عنده، بل من السوريين انفسهم. وعندما قدم الحريري مشروع تشكيلته الحكومية اتاه الجواب ببساطة كلية "ان القيادة السورية معك لكنها لن تتدخل في تشكيل الحكومة وان ثمة حملة دولية على دمشق تتهمها بتشكيل الحكومات في لبنان والتدخل في شؤونه الداخلية مما يحمل سوريا على التفرج وعدم التدخل"…
وعندما شكل الرئيس الحريري اولى حكوماته عام 1992 كان يريد ان تعطى سلطات استثنائية كي تصدر المشاريع الاصلاحية والعمرانية بمراسيم اختصارا للوقت ولاستعجال العمل على النهوض بلبنان الخارج من حروب مدمرة، لكن الرئيس حافظ الاسد اراد ان يبقي الحكومة تحت رقابة مجلس النواب برئاسة الرئيس نبيه بري كي يعرقل اندفاع الرئيس الحريري نحو العمل الذي يصبو اليه وتعلق البلاد عليه الآمال، وحاول الاسد ارضاء الحريري باقتراح ارسال المشاريع الى مجلس النواب بصفة المعجل، وعندما فعل كانت هذه الصفة عندما تطرح على المجلس، فان الاكثرية كانت تنتنزع عنها احيانا هذه الصفة فتحال على اللجان حيث تقتل درسا بهدف المماطلة في اقرارها.
والسؤال المطروح الآن هل ستعامل دمشق نجل الرئيس الحريري كما عاملت والده فتقول شيئا وتفعل شيئا آخر خصوصا عندما تقول انها لن تتدخل في تشكيل الحكومة وهو ما فعلته في الماضي مع والده رغم انه تجاوب معها في التمديد للرئيس لحود وان عن غير اقتناع، ام ان الظروف المحلية والعربية والاقليمية والدولية باتت الآن مختلفة عن الماضي، وان ما تعد به سوريا عليها ان تفي به لئلا يعود الانفتاح عليها الى نقطة الصفر، الا اذا كانت لسوريا حسابات اخرى فتعتبر انها ليست في حاجة الى الآخرين، انما الآخرون هم في حاجة اليها لاسباب شتى فتفرض شروطها…