#adsense

مجرد تذكير بالديموقراطية !

حجم الخط

مجرد تذكير بالديموقراطية !

بعد شهر وثلاثة ايام من موعد اجراء الانتخابات النيابية في 7 حزيران الماضي، يكاد المراقب للمشهد الناشئ ان يتساءل: هل ضاق لبنان بكلفة نظامه، او هل صارت الديموقراطية فيه آفة لعينة تشكل خطرا على التوافق؟
والى ان تنكشف الاسرار المتراكمة والمخبوءة خلف حجب المخاض الحكومي واقبيته الخافتة، لا بد من التوقف عند مجموعة مفارقات وغرائب يندر العثور على مثيلاتها في اي "ديموقراطية" اخرى، لا للتنغيص على المسيحيين بهذا النوع من الاجتهادات "الواقعية" بل لحفظ حق الاصول الديموقراطية وقواعدها الجادة لا أكثر ولا اقل.

ثمة اولا مفهوم جارف عام رمي في التداول ولم يكلف احد نفسه عناء تفسيره هو ان لبنان ملزم المضي الى ما لا نهاية في تشكيل "حكومات وحدة وطنية". صار بذلك الاستثناء هو القاعدة والاصول هي الشواذ.

في الدستور والاصول الديموقراطية حكومات الوحدة الوطنية تمليها ظروف استثنائية وليس هناك في "الانتخابات" ما يعني حدثا طارئا، بل هي القاعدة الام لانتظام التعاقب على السلطة، الا اذا كانت صدمة النتائج في اذهان كثيرين قد اقترنت بمفهوم انقلاب كان يدبر في ليل وجاءت الانتخابات لتقلب ظهر المجن. فليقل، على الاقل، ان الظروف التي تملي العودة الى حكومة وحدة وطنية لا صلة لها اطلاقا بالدستور والاصول مما يحفظ للنص مكانته وبقايا احترامه، والا غدا الدستور بكامله العوبة ومرجعا وهميا.

ثمة ايضا ظاهرة رديفة اخرى، تبرز معها المعارضة كأنها صاحبة الانتصار الانتخابي والغالبية مستجدية لكل ما لا يفسد الطبخة الحكومية بما في ذلك البحث العقيم عن بديل للثلث المعطل. حتى لكأنه صار على الغالبية ان تتقدم بوافر الاعتذار والاسف والتندم على كونها فازت في استحقاق ديموقراطي.

ان مطلب الشركة في الحكومة اذا كانت تقتضيه فعلا ظروف قاهرة للدولة والميثاق، لا يجيز في اي شكل خطاب الاستقواء واملاء الشروط وقلب الأدوار، الا اذا كان الطبع غلب التطبع وعاد كل ما سبق 7 حزيران ليسود البلاد بكل ما يحمله من بذور تناسل للأزمات التي لا تنتهي.

ثمة ايضا غموض ملتبس وتقية سياسية غالبة في التعامل مع الرأي العام في شأن ذلك "المسار" الناشئ بين السعودية وسوريا. فلا الغالبية شفافة ولا المعارضة ايضا في احترام ما يقتضي ان يعرفه الناس. لا يصدق احد ان احدا في المعسكرين لا يصله الا الشروط التعجيزية او المشاريع التجريبية فقط. فلا التزام الصمت لدى الغالبية يبرر لها النأي بنفسها عن مسار يبدو "مقررا" للبنان، ولا اصطناع البكاء على السيادة عند المعارضة يكسبها صدقا في ما تزعمه لنفسها. في كلا السلوكين امتهان معنوي على الاقل لعقول اللبنانيين، وخصوصا ان ايحاءات شديدة السلبية حيال هذا المسار بدأت تتفشى على نطاق واسع ليس اقلها تسهيل عودة النفوذات الخارجية الى التحكم بالوضع اللبناني. مثل هذه الايحاءات تستأهل خروجا سريعا وفوريا من كل تقية سياسية واقلاعا عن المزايدات الباهتة.

اخيرا، ثمة ما يصاحب تقديم الطعون النيابية الى المجلس الدستوري وكأنه نذير بتهديدات مبطنة، يخضع عبرها سياسيون ومرشحون هذه الهيئة القضائية العليا "للفحص" الاستباقي، فاما يؤخذ بالطعن او يكون المجلس ساقطا منحازا او غير مؤهل او خاضعا للتسييس.
ربما لا يجوز الدفاع المسبق عن المجلس الدستوري ايضا. لكن المسلك السياسي لاحترام الفصل بين السلطات على الاقل يقتضي تمييزا في الخطاب والنبرة. فالمجلس الدستوري ليس المرشح الخصم، بل هو مجلس دستوري!

المصدر:
النهار

خبر عاجل