جوائــز "ساركوزي" المجانية!!
لا يفهم اللبنانيون كثيراً القواعد الديبلوماسية التي يُطلق الرئيس الفرنسي على أساسها آراءه، فقد فاجأنا بالأمس بتصريح "حسن سلوك" للدولة السورية، وشهادة وفاء بعهود سياسية، وبصرف النظر عن عنجهية ساركوزي، وبصرف النظر عن الكلام "العشوائي" الذي يدلي به من حين الى آخر، والذي يربك المحللين السياسيين، إذ يأتي غالباً من دون مناسبة، وبصرف النظر عن الأوسمة "الشفوية" التي يعلّقها للسياسية السورية في تعاطيها مع لبنان، وكأنه أستاذ في صف المرحلة الابتدائية يطلب من تلامذته أن يصفقوا للشاطر وأن يقولوا له برافو. يعنينا من تصريحات "ساركوزي" الرئيس الذي ينفذ دعايته الإعلامية لنفسه بنفسه، يعنينا فقط ما يتعلّق بنا كـ "لبنان"!!
أغرب ما قاله ساركوزي في تصريح "الوفاء وشهاداته" الموزعة عبر أثير الإعلام، قوله: "إنه مع لبنان سيد ومستقل، حتى عن سورية"!! "تنقّز" جداً هذه الـ "حتى"، وكأنها تفترض أن لبنان أصلاً تابعاً لسورية، لكنّ كرم أخلاق فرنسا معه، ولأنه لم يعد طفلاً ستسمح له بالاستقلال حتى عن سورية!! ماذا يُقال عن هذا الكلام في العرف الديبلوماسي، خصوصاً أنه صادر عن رئيس دولة، لا يبدو أنه مدرك لمدى انعكاس آثار تصريحاته الارتجالية سلباً على لبنان!!
والأغرب، أن يصدر هذا الكلام في توقيت زيارة وزير خارجيته "المسكين" برنار كوشنير، الذي يهتم بالـ "الطبلية" التي ستزيد من طوله بضعة سنتيمرات، حتى لا يبدو قصيراً أمام الكاميرات، أكثر ما يهتم بما سيقوله، جاءت هذه التصريحات لتؤكد أن فرنسا تكافئ سورية بأن يلتقي وزير خارجيتها سفراءها في المنطقة في دمشق، جائزة ترضية لعدم تدخل سورية في الانتخابات النيابية!!
ولكن، هل فعلاً لم تتدخل سورية في الانتخابات النيابية؟ ألم يكن لها لوائحها التي ترشحت من وجوه الطقم القديم "ما غيرو"؟ ألم تؤكد أكثر من مرة أن المعارضة ستفوز في الانتخابات؟ ألم تصدق هي والمعارضة أن الزمن عائد إلى الوراء، ثم صدموا بالنتائج فصاروا كأن على رؤوسهم الطير؟ ألم يسمع نيكولا ساركوزي تصريح وزير الخارجية السورية الذي أعلن عبره عدم تدخل سورية في تشكيل الحكومة، وهذا التصريح بحسب خبرة اللبنانيين بالتصريحات السورية تعني ببساطة، "سنعطل تشكيل الحكومة لأن لا حكومة تستطيع أن تتشكل من دوننا"؟!!
لا ينزعج أي مواطن لبناني من عودة علاقات سورية إلى طبيعتها مع دول العالم، ولكن ثمّة انزعاج من نسبة غباء عالية يتمتع بها بعض المسؤولين الأوروبيين عندما يتناولون الشأن اللبناني – السوري، وهم من الغباء أنهم لم يفكروا حتى بمتابعة الخيط الديبلوماسي التاريخي لعلاقة العرقلة السورية للشؤون السياسية اللبنانية!! مشكلة لبنان الحقيقية، أن الديبلوماسيات تتعاطى معه مع كل تغيير يستجد عليها من نقطة الصفر!!
هكذا، يحاول ساركوزي أن يدّعي لنفسه نجاحاً ديبلوماسياً من لا شيء، وَهْم نجاح ووهم عدم تدخل، وهذه السياسة الاستعراضية من الضرورة في مكان أن لا تلتزم الديبلوماسية اللبنانية الصمت حولها، فليُسأل "الحاج" نيكولا، عن هذه السيادة المفرطة التي يريدها للبنان حتى عن سورية؟ "بشرفكم" إسألوه عن "حتّى" هذه، فقد تفتح علينا أبواباً كنا قد أغلقناها وارتحنا من رياحها!!
تستطيع الديبلوماسية السورية أن ترد على ساركوزي بأسلوبه نفسه الشائن والصلف في التعاطي معها كدولة وكرئاسة، فشهادات التقدير عبر الهواء فيها "قلّة ذوق" – وفهم ربما – لا شأن لنا بأسلوب التعاطي بين دولتين، نتمنى فقط أن لا يدحش ساركوزي لبنان في تصريحاته عندما يوزع أوسمته على العالم، فالرجل "مصّدق حالو" بأنه يضع تقويماً لسلوك الدول ورؤسائها، نتمنى فقط أن لا ينطرب كوشنير في مهرجان بيت الدين ويدبك على تغريد شارل أزنافور، ويصعقنا اليوم بتصريحات لا تقل غرائبية عن تصريحات رئيسه "المفوّه"!!