ساعة سياسة في معراب
بعد الانعطاف الحادّ نحو المصالحة والتهدئة، وحتى ربما التحالف الذي اخذ طريقه النائب وليد جنبلاط باتجاه حزب الله واجتماعه الى السيد حسن نصرالله الذي، وصف «بالايجابي جدا»، وما تبعه من لقاءات وزيارات بين قياديين في الحزب الاشتراكي واخرين في حزب الله، والجولة الروحية التي قام بها عدد من مشايخ الطائفة الشيعية ممن يتسلّمون مراكز قيادية في حزب الله، على المرجعيات الدينية لدى طائفة الموحّدين الدروز، والكلام الذي قاله الشيخ محمد يزبك عن «الزعيم الوطني الكبير وليد جنبلاط».
وبعد اللقاء الذي تم بين الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة النائب سعد الحريري وامين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، والمواقف التي اعلنت من الطرفين حول ضرورة التفاهم والانفتاح وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والكلام الذي بدأ يتردد في ما بعد من ان هناك سعياً ما لاعادة احياء الحلف الرباعي الذي قام في بداية انتخابات العام 2005، وان السيد نصرالله تعهّد بتسوية الخلافات العميقة ما بين دمشق والنائب جنبلاط، وتسهيل مهمة النائب الحريري في تشكيل الحكومة الجديدة.
وبعد موجة الشائعات التي انتشرت حول وجود قلق في الشارع المسيحي من تسوية دولية – اقليمية – محلية حول المسألة اللبنانية قد تحصل مع دمشق بمباركة سعودية، قد تكون، كما حصل سابقاً، على حساب المسيحيين الذين تقلّص دورهم، لأسباب عدة، اهمها، هجرة شبابهم، ونزع اسلحتهم، وتفرّق احزابهم، وضعف كنيستهم بسبب الهجمات المتواصلة عليها من بعض القيادات المسيحية احيانا، ومن قيادات اسلامية احيانا اخرى.
بعد كل هذه المحطات الخطيرة، والتحولات السريعة، كان لا بدّ من معرفة كيف يفكر القياديون المسيحيون في 14 آذار، وهم المعنيون اكثر من غيرهم في مستقبل اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصاً، لانهم اولاً حلفاء الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل، ولأنهم ثانياً، حصلوا على وكالة اكثرية المسيحيين، وفي شكل خاص، اكثرية الموارنة، الطائفة الاكبر مسيحياً، في الانتخابات الاخيرة، وبالتالي يتحمّلون مسؤولية قيادة المسيحيين وتطمينهم، بالتعاون الكامل والجهد المشترك، بينهم وبين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
الدكتور سمير جعجع، رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، مع اعترافه بأن الامور صعبة ودقيقة، ومواجهتها في شكل موحّد على الصعيد المسيحي، امر ضروري ومطلوب، الاّ انه لا يعرف حتى الآن كيف يمكن الوصول الى تفاهم مع العماد ميشال عون، في ظل الاختلاف العميق بين الاستراتيجية والنهج اللذين يتبعهما العماد، وبين استراتيجية ونهج القوات والقوى المسيحية الاخرى. وتوضيحاً لما يقوله يكشف الدكتور جعجع انه كانت هناك خلافات بين القوات وحزب الكتائب قبل الانتخابات وبعدها وربما في المستقبل ايضاً، ولكنها لم تصل ولا يمكن ان تصل الى مقاطعة او مواجهة، لأن مبادئ الفريقين الاساسية واحدة ولا خلاف عليها، وكذلك نظرتهما الى الواقع اللبناني، وهذا الواقع غير متوفر بالنسبة الى التيار الوطني الحر، وخصوصاً بالنسبة الى زعيم هذا التيار الذي يريد ان تتمحور كل القضايا حوله.
اما بالنسبة الى ما يشاع من ان مسيحيي 14 آذار مستبعدون عن المشاورات والاتصالات التي تدور حالياً في الداخل والخارج، ولا يعرفون شيئاً عنها، فهذا امر غير صحيح على الاطلاق، واذا كان غيرنا يجهل ما يدور ويجري، الاّ اننا على معرفة مسبقة بكل طرح ومبادرة، ولنا موقفنا وكلمتنا في كل شيء، وعلاقاتنا مع الرئيس المكلّف جيدة، بل ممتازة، ولا خوف داخلياً من حصول متغيّرات اساسية تكون على حساب المسيحيين.
رئيس تكتل القوات اللبنانية، لا يتوقع ولادة سهلة للحكومة المقبلة، ولا يقلل من حجم الصعوبات التي تعترض طريق النائب سعد الحريري، وهو يعتبر ان الحريري صلب كفاية لعدم تقديم تنازلات لا يقبل بها هو شخصياً ويرفضها جمهوره، وجمهور 14 آذار، كما يستبعد ان يدفع الحريري الى الاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة، اما بالنسبة الى المحادثات السورية – السعودية فان الدكتور جعجع لا يسلّم بمقولة ان الولايات المتحدة الاميركية وبعض الدول العربية وراء تعثر هذه المحادثات، او وراء منع قيام لقاء قمة بين الملك عبدالله والرئيس السوري بشار الاسد، لان القضايا الاخرى التي تشغل الولايات المتحدة في هذه الفترة هي القضية الايرانية والسلاح النووي، والقضية الفلسطينية وقيام الدولتين، ويرجح جعجع ان يستمر «الستاتيكو» القائم في لبنان حتى تنجلي صورة العلاقات الاميركية – الايرانية، ويعتبر ان التحركات العسكرية الاسرائيلية في الجو والبحر، انما هي نوع من انواع الضغوط التي تمارس على ايران حتى تتخلّى عن طموحاتها النووية، ولكن بالنتيجة لن تسمح الولايات المتحدة واوروبا والدول العربية، ان تمتلك ايران سلاحاً نووياً.
* * *
في العودة الى الشأن الداخلي المسيحي، يشعر الدكتور جعجع بالارتياح الى نتائج الانتخابات على المستويين الوطني والمسيحي، وخصوصاً في اقضية الشمال التي سجّل فيها مسيحيو 14 آذار تقدماً كبيراً على الصعيد الشعبي واكدوا انهم الاقوى شماليا. كما لا يخفي سروره بالدور المؤثر الذي لعبته القوات اللبنانية في دائرة زحلة، وانضمام ثلاثة نواب عنها الى تكتل القوات اللبنانية، بذات الوقت يشعر بالأسف لتراجع احد نواب دائرة بيروت الاولى عما وعد به واقسم عليه بالانضمام الى التكتل، معتبرا ان هذا التصرف دعسة ناقصة في مسيرته النيابية، اضافة الى ذلك يعتبر جعجع ان سوء ادارة المعركة الانتخابية في عدد من دوائر جبل لبنان كان وراء عدم فوز لوائح 14 آذار وحلفائهم.
مع شخص مثل الدكتور جعجع، كثيرة هي المواضيع التي تطرح، والملفات التي تفتح، لكن العديد منها يبقى في خزانة «المجالس بالامانات» الى ان يحين وقت الجهر بها والكشف عنها، الا ان المؤكد، هو صعوبة الاوضاع الداخلية التي تنعكس على اي استحقاق اساسي يواجهه لبنان، مثل استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة، وصعوبة مقاربة موضوع سلاح «حزب الله» في ظل استمرار التوتر قائماً على الجبهة الاسرائيلية – الفلسطينية، والايرانية – الدولية، وبالتالي فان لبنان سوف يبقى مشرّعاً على جميع الاحتمالات، السيئ منها والمقبول، مع رجحان كفّة السيئ «الطابشة» حتى الآن.