لأنها تمسك بالأوراق الضاغطة في لبنان وفلسطين والعراق
ما هي الأثمان التي تطلبها سوريا ؟ ومن يدفعها ؟
يقول متابعون لعملية تشكيل الحكومة ان التأخير لا يعود الى خلافات تعذرت تسويتها ولا الى جعل قوى 8 و14 آذار تقدم تنازلات متبادلة فحسب، بل الى ترتيبات اقليمية ودولية لم يتم التوصل الى انجازها بعد وقد وضعت جميعها في سلة واحدة، وبات مطلوباً اما فصل عملية تشكيل الحكومة عن انجاز هذه الترتيبات اذا كان انجازها يتطلب وقتاً لا تستطع عملية التشكيل انتظاره، واما استمرار ربط انجاز هذه الترتيبات بعملية التشكيل وان طال الوقت.
والواقع، ان لسوريا هماً هو لبنان، وكيف تستطيع ان تكون مطمئنة الى القرارات التي تصدر عن حكومته. ولاسيما ما يتعلق بالاهتمامات والمصالح المشتركة، ومنها المحكمة ذات الطابع الدولي، وهذا ما يجعلها تطالب باعطاء "الثلث المعطل" لحلفائها في لبنان. وللدول العربية المعتدلة همّ آخر هو الخطر الايراني الذي قد يتهددها في حال تمكنت من صنع السلاح النووي. ولدول الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي، همّ آخر هو التوصل الى تحقيق سلام شامل في المنطقة سواء بدءاً بالمسار الفلسطيني او بالمسار السوري كي تزول مبررات وجود الاحزاب والتنظيمات المسلحة، خارج اطار الشرعية، ويصير في الامكان مكافحة الارهاب ووقف اعمال العنف بحيث يسود الامن والاستقرار في العالم.
والسؤال المطروح هو: هل ينبغي وضع كل هذه المشكلات في سلة واحدة والبحث عن حلول او تسويات شاملة لها، ام ينبغي تجزئتها وايجاد حلول وتسويات لكل مشكلة بمفردها؟ فعندما يطلب من سوريا ان تبتعد عن المحور الايراني وتقترب من المحور العربي، او تقف على مسافة واحدة بينهما، اي في الوسط"، فإن لذلك ثمناً قد يصعب التوصل الى تفاهم على تقديره. وعندما يطلب من سوريا تقديم تنازلات من اجل التوصل الى تحقيق اتفاق سلام بينها وبين اسرائيل، فان لتقديم هذه التنازلات ثمناً، وعندما يطلب من سوريا تسهيل تشكيل حكومة وحدة وطنية في لبنان وتقديم المساعدات اللازمة لبلوغ ذلك، بالتدخل لدى حلفائها في لبنان، فان لهذا ثمناً ايضاً.
ويعترف خصوم سوريا بأنها دولة بارعة في تجميع الاوراق ثم بيعها بالمفرق، فهي تمسك بورقة لبنان من خلال حلفائها فيه، فتجعلهم يرفعون الصوت ساعة تشاء ويخفضونه ساعة تشاء، وهي تمسك بورقة "حماس" في فلسطين لتحركها في هذا الاتجاه او ذاك بحيث تستطيع من خلال هذه الورقة ان تفرّق او توحد بين التنظيمات الفلسطينية وان تدفع بها نحو التفاهم على تسوية سلمية مع اسرائيل او عدم التوصل الى هذا التفاهم. وهي تمسك ايضاً بما هو أهم واخطر، عندما تتهم بانها تؤوي الارهاب، وتحمي العناصر التي تقوم بأعمال عنف، وتفتح حدودها لها، لترغم الدول التي تعاني من ذلك على الدخول معها في محادثات من أجل التوصل الى وقف هذه الأعمال لتطلب في المقابل ثمناً لذلك، وهذا ما جعل سوريا دولة في حاجة اليها لتوفير الأمن والاستقرار في لبنان وفي فلسطين وفي العراق. ولها دور، نظراً الى تحالفها مع ايران، في تهدئة الوضع في باكستان وفي افغانستان. كلها اوراق لا تتخلى عنها سوريا بدون مقابل.
وثمة من لا يعارض في ان يكون حتى لبنان هو الثمن اذا ابتعدت سوريا عن ايران وعادت الى الفلك العربي، وان تكون اعادة الجولان اليها هو الثمن اذا تخلت عن دعم او ايواء الاحزاب والتنظيمات التي تصفها اسرائيل بالارهابية وامرار السلاح اليها، وان يعود مسار لبنان مع اسرائيل متلازماً مع المسار السوري خصوصاً في ما يتعلق بمزارع شبعا…
وليست هذه هي المرة الاولى التي تكون فيها سوريا بارعة في تجميع اوراق الضغط والتوظيف ثم بيعها بالمفرق وقبض ثمنها. فعندما كانت الحاجة اليها ماسة للمشاركة في حرب الخليج، تمت الصفقة على رأس العماد ميشال عون فأخرج من قصر بعبدا بضربة عسكرية سورية خاطفة بموافقة اميركية وعربية واسرائيلية، وعندما كانت الحاجة الى القوات السورية كي تدخل لبنان وتوقف الاقتتال فيه وتخرج المسلحين الفلسطينيين منه الى تونس كان ثمن ذلك ايراد نص ملتبس في اتفاق الطائف يحدد مدة سنتين لإعادة تمركز هذه القوات في منطقة البقاع تمهيداً للانسحاب الكامل منه، واذ بمدة السنتين تصبح ثلاثين سنة، لأنها استطاعت في ظل وجودها السياسي والعسكري في لبنان، ان تقيم فيه حكماً لا يطالب بانسحاب هذه القوات بل يكرر القول في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة، ان وجود هذه القوات "شرعي وضروري وموقت"…
والسؤال الذي يطرح الآن ولا جواب عليه: ما هو الثمن الذي تطلبه سوريا لتسهيل تشكيل حكومة وحدة وطنية في لبنان، وما هو الثمن الذي تطلبه لتكون ولو على مسافة واحدة بين الدول العربية وايران، وما هو الثمن الذي تطلبه لتسهيل تحقيق السلام الشامل مع اسرائيل وتهدئة الوضع في العراق، لأنه اذا كان لا حرب بدون مصر فلا سلام بدون سوريا.
الواقع، ان سوريا ما كانت تستطيع ان تجمع كل هذه الاوراق وتبيعها بالثمن الذي تريد لو لم تتوصل الى ما يضمن عدم تغيير النظام فيها حتى ولو لم يغير سلوكه، فكانت التاجر السياسي البارع وبامتياز، اذ انه يقبض ثمن البضاعة قبل ان يسلمها.