#adsense

البحثُ اللبناني عن “الكلمة المفقودة”

حجم الخط

سوريا لم تتغير وتستأنف التعطيل في لبنان.. سوريا تتغير عبر مخاض عسير وحلفاؤها لا يعلمون؟
البحثُ اللبناني عن "الكلمة المفقودة"

في مجال مقاربة الوضع اللبناني في الإطار الإقليمي، ثمة قراءتان متاحتان. الأولى يمكن وصفها بـ"المباشرة" أو "الظاهرية"، وتأخذ الحركة السياسية والمواقف السياسية في ظاهرها أو بـ"حرفيتها" كما تقدم نفسها. والثانية يمكن وصفها بـ"المركّبة"، وتعتمد على "إستقراء" للمعطيات وعلى "إستنطاق" للسياقات وعلى تحليل لـ"الجدليات".. وما أكثرها.

القراءة "الظاهرية": التعطيل السوري

في القراءة الأولى، أي "المباشرة"، أو "الظاهرية"، يمكن أن يبدو أن الاتصالات السعودية السورية لم تسفر حتى الآن عن تفاهم بين الرياض ودمشق حول ترجمة العاصمة السورية لعنوان دعم الإستقرار في لبنان وتسهيل المسار السياسي اللبناني. ويمكن أن يبدو أيضاً أن العاصمتين لم تتوصلا بعد الى بلورة ترجمة دقيقة لمضمون عودة سوريا الى النظام العربي ولمقتضيات أن تكون لدى دمشق أولوية للتضامن العربي على ما عداه. أي أنّ الجانبين السعودي والسوري لم يحرزا تقدماً بشأن دعم لبنان من ضمن تفاهم متكامل على المشروع العربي. وبهذا المعنى، تكون المساعي السعودية قد إصطدمت بتمسك سوريا بسياسة "المفرّق" أو "التجزئة" أي فصل الملفات عن بعضها، بما يتيح لها أن تأخذ "أثماناً" معينة في لبنان قبل أن تعود لـ"التفاوض" على الملفات الأخرى. وتلك "الأثمان" هي من النوع الذي يجري تسريبه، ويراوح بين إستعادة "قدر" من المرجعية عن لبنان، وهذا ما يظهره الترويج لزيارة الرئيس المكلف سعد الحريري الى دمشق كممر إلزامي لتشكيل الحكومة، وبين إستعادة قدر من النفوذ داخل القرار السياسي اللبناني، وهذا ما يظهره طلب "الثلث المعطل". ولعل هذه القراءة، إذ تسندها مواقف لحلفاء سوريا في لبنان، تفيد أن الوضع اللبناني لا يزال في دائرة تعقيدات وضغوط سورية.

القراءة "المركّبة"

أما في القراءة الثانية "المركّبة" الأشبه بالبحث عن "الكلمة المفقودة"، فثمة معطيات وسيناريوات وإحتمالات شتّى.
أول من أمس، قالت المسؤولة السورية بثينة شعبان إن الحوار السوري ـ السعودي متواصل و"عميق". وأعلنت أن العلاقة السورية السعودية لا تقتصر على "الملف اللبناني" فقط. وأكدت أن لا عقدة لبنانية في الحوار بين دمشق والرياض. ورداً على سؤال بشأن الموقف السوري من الحكومة اللبنانية قالت إنه مثل الموقف السوري من الإنتخابات (النيابية) الأخيرة.

يفيدُ كلام الناطقة الرئاسية السورية ان الحوار مع المملكة العربية السعودية مستمر وليس منقطعاً. ويؤيد كلامُها ما تقوله المملكة لجهة ان الحوار أشمل من لبنان. ويحتمل قولها إن لا عقدة لبنانية أن التفاهم مع المملكة إما متيسّر أو أنّه سيتيسّر في هذا المجال. أما إذا أُخذ قولها إن الموقف من الحكومة كالموقف من الإنتخابات، فلا بدّ عندئذ من إستعادة ما كانه الموقف السوري من الإنتخابات.

بثينة شعبان حول الحكومة والإنتخابات

الموقف السوري من الإنتخابات، كما أظهرته مواقف عربية ودولية أشادت به بعد إنتهاء الإنتخابات، كان موقف الإمتناع عن تعطيل الإنتخابات النيابية اللبنانية تدخلاً وضغطاً، أي تسهيل حصول الإنتخابات. فأن يُقال إن الموقف من تشكيل الحكومة اللبنانية هو مثل الموقف من الإنتخابات، فمعناه ان سوريا ستسّهل تشكيل الحكومة وتمتنع عن التعطيل.

القراءة الأولى تقود الى إستنتاج أن دمشق التي إمتنعت عن التعطيل، ربما لأنها كانت تحسب أن حلفاءها سيفوزون في الإنتخابات النيابية، تعود الآن، "تعويضاً"، الى فرض شروط بما يجعل الإنتخابات وكأنها لم تحصل أو كأنها لم تفرز غالبية من 14 آذار. أما القراءة الثانية فتقود الى إستنتاج مغاير: إن "التغيير" الذي باشرته سوريا حيال لبنان بالإمتناع عن تعطيل إنتخاباته النيابية، لا مفرّ لها من أن تواصله، لأنها أياً كانت حساباتها الإنتخابية قبل 7 حزيران إمتنعت عن التعطيل في سياق محدد، ولا تستطيع أن تنقلب عن المسار الآن، على الأرجح لأن التعطيل الآن ذو كلفة عليها أكبر مما كان يتوقع لها أن تكون عشية الإنتخابات وأثناءها.

ساركوزي و"المفعول المستقبلي"

وفي القراءة الثانية "المركّبة"، موقف لافت قبل نحو ثلاثة أيام للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، يعلن أن الرئيس السوري بشار الأسد "وفى بالتزاماته تجاهي في ما يخص لبنان"، ويؤكد أن عدم تجاهل سوريا في ما يتصل بلبنان "أثبت جدواه".
في هذه القراءة أن شيئاً لا يفرضُ على رئيس دولة كبرى كفرنسا أن يشهد بـ"حسن سلوك" سوريا في موضوع لا يزال "قائماً" وقيد المتابعة كالموضوع اللبناني، لولا أن في يده تعهدات سوريّة بعدم التعطيل في مرحلة ما بعد الإنتخابات أيضاً. والحال لمزيد من الإيضاح أن باريس كررت بعد الإنتخابات اللبنانية، نفيها مبرر مواصلة إعتماد "الثلث المعطل" في تشكيل الحكومة، منوّهة بالإنتخابات ونتائجها. وهذا ما يعني ان كلام ساركوزي بـ"مفعول مستقبلي" ينطوي على تأكيد وجود تعهد سوري بعدم التعطيل بأي صيغة كانت.

سوريا إن تغيّرت تحتاج الى وقت

والسؤال الآن هو الآتي: إذا كانت هذه القراءة بين السطور صحيحة، فما هي الإستنتاجات؟
الإستنتاج المركزي، إذا كانت هذه القراءة صحيحة، هو أن ثمة ظروفاً ومعطيات تفرض على سوريا تغييراً سياسياً معيناً.
بيد أنه، على إفتراض أن سوريا "حسمت" أمر التغيير، فهي بحاجة الى وقت كي يظهر هذا التغيير جلياً. وهي بحاجة الى أن تبلغ الحليف الإيراني به وأن تحاول إقناعه بموجباته. وهي بحاجة الى أن يتم تمكينها من "تبليع" حلفائها في لبنان تحولاً بهذا الحجم. ووفقاً للمعاني الآنفة، فإن هذه القراءة ترجح أن سوريا لم تعطِ حلفاءها في لبنان "كلمة سر" التسهيل بعد، بل أكثر من ذلك ترى أن ما يجري بين هؤلاء الحلفاء ليس عملية توزيع أدوار، لكنه نوعٌ من الارتباك في مواكبة سوريا وفي فهم الإشارات السورية.

أسئلة بين دمشق وطهران و"حزب الله"

وهنا، فإن الأسئلة "تكرّ" و"تتناسل": في هذه الحالة، حالة التغيير السوري، هل تنجح سوريا في إقناع إيران و"حزب الله" بسياستها؟ أم تسلك مساراً مستقلاً عنهما؟ هل تتردد؟ ما إنعكاسات كل خيار على لبنان؟ هل يحصل أن يصبح فريق 8 آذار مجموعة فرقاء؟ وماذا بعد؟
عن كل سؤال أجوبة عدة، وعلى كل جواب مترتب.
لكن بعد ذلك كله: أي القراءتين هي الأدق والأصح؟ وكم من الوقت بعد لتتوضح "الصورة"؟ وكيف سيكون "المخاض"؟
..وبعد، إن الحذر من الجزم هنا أو هناك، واجب.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل