الوحدة بالآخر
يحرص سعد الحريري رئيسا مكلفا تأليف حكومة جديدة، على أن يطل من شرفة سياسية ذات بعد وطني لا يلتقي مع طموحات 14 آذار ورغبات 8 آذار فحسب، بل يلامس بالضرورة، ما يحلم به المواطن اللبناني الذي يريد نهاية لنفق الأزمة التي تكاد تخنق الوطن، ويصل ايضا الى ما تريده الدول الشقيقة والصديقة للبنان من انطلاقة جديدة على طريق النهوض والبناء والامل والحياة.
لكن الحريري يعرف تماما ان تأليف الحكومة العتيدة الآن، بعد التطورات العاصفة والمحن الكبيرة والآلام العميقة والآمال العريضة التي عرفناها خلال عقدين وأكثر، وخصوصا في الاعوام الأربعة الاخيرة، هو فعلا أشبه برحلة في الادغال السياسية التي تختلط فيها حسابات الداخل برغبات الخارج ومطامعه أيضا، لذلك بدا منذ اليوم الاول لتكليفه حريصا على أن يطبق المثل القائل: "اعمل كثيرا وتحدث قليلا". والامر هنا ليس بالضرورة على سبيل الكتمان، بل لأن الحكومات لا تؤلَّف أمام الكاميرات او على صفحات الجرائد وخصوصا وسط هذا الطوفان من الالغام ودخان التعمية.
❑❑❑
حتى الآن تحدث الرجل مرتين: الاولى الى مجلة "نيوزويك" حيث أكد تمسكه بما كان قد أعلنه قبل التكليف من ان لبنان يحتاج الى حكومة تلمّ الشمل، أي تضم الجميع وتكون قادرة على العمل، لأنه بالفعل آن أوان العمل في لبنان المتهالك على كف التعطيل.
أما المرة الثانية فكانت الى مجلة "باري ماتش" وقد حرص على رسم أفق الشرفة السياسية التي اشرنا اليها، بتأكيده أن الاساس المكين والوحيد للانطلاق في الحل هو توحيد اللبنانيين بعد زمن طويل من الانقسام والخلافات والمحن: "يجب توحيد الناس (…) في بلد مكون من 18 طائفة يجب توحيد الناس"!
والمهمة الاولى للحكومة، لكي تستطيع أن تعمل وتنهض، هي ان تخلط الاوراق وتجهد لإزالة الانقسام العمودي الذي لا يثقل على السياسة فحسب بل انه تسبب بحدوث تشنجات مذهبية".
والحديث عن "خلط الاوراق" يذكّرنا بما قاله الرئيس نبيه بري عن خلط 14 آذار و8 آذار في إناء وطني واحد. ولذلك يقترح سعد الحريري وصفة وحيدة لامفر منها لأحد اذا كنا فعلا نريد ان نخرج من نفق الازمة الطويلة والخانقة:
"الطريقة الوحيدة للحكم هي في التوحد. في وحدة اللبنانيين الوطنية"!
والمدخل الوحيد الآن بعد حقبة طويلة من المآسي والانقسامات التي أنهكت لبنان واللبنانيين، هو في "تأليف حكومة أكون فيها في حاجة اليهم، وهم في حاجة إليّ".
❑❑❑
يحاول الرئيس المكلف ان يطوي صفحة او فصلا او ربما كتابا امتد لربع قرن وأكثر. يريد ان يبدأ الكتابة على بياض رغم ما في الماضي من جروح حتى عمق الوجدان. يريد أن يبدأ الكتابة على أساس الابجدية السياسية والوطنية والانسانية والاخلاقية التي تصوغ لغة واحدة وهوية واحدة ومستقبلا واحدا ووطنا واحدا. إنها أبجدية الخروج من القعر، عبر التبادلية الصادقة في الحاجة الى الآخر. وهي التي شكلت دائما المدخل المرتجى على امتداد تاريخ لبنان، الى روح الفرادة التي طالما تحدثنا عنها، والى عمق الرسالة التي رددنا دائما ان لبنان يحملها إلا وهي امتزاج الأنا بالآخر وتوحد الآخر بـ الأنا.
إن كلاما من هذا النوع، يذكرنا ويذكّر الكثيرين بالتأكيد، بما كان يأنس اليه الرئيس الشهيد رفيق الحريري وهو يتحدث عن "الوحدة بالآخر" في لبنان "زينة الأوطان"، لينهض في اليوم الثاني ويضع لبنة جديدة في هذا البناء الفريد.
❑❑❑
ما يدفعنا الى هذا الكلام ونحن على يقين كامل بتعقيدات تأليف الحكومة أمران سياسي ووجداني برزا في حديث سعد الحريري الأخير:
الامر السياسي واضح ومحق وهو اشارته الى أن التمسك بالثلث المعطل، يعني استمرار الانقسام. واستمرار الانقسام يعني البقاء في النفق والمراوحة في المأساة والوطن يكاد ان يتهالك.
أما الامر الوجداني، فهو في قوله ان والده دفع حياته ثمن تضحياته للبنان وطن الفرادة والرسالة، وأنه هو ايضا مستعد بدوره ليضحي من أجل لبنان… "واذا لم أفعل ذلك لا أكون فعلا ابن أبي ولا أكون جديرا به".
لكن الرجل ابن ابيه وسره ايضا. وقد وضع عند شرفته السياسية نوعين من التحدي: تحدي الواقع للخروج من النفق وبداية النهوض الوطني، وتحدي النفس حاملا راية رفيق الحريري وقائما على تحقيق حلمه الوطني.