#adsense

المسيحيون وذاكرة الحرب

حجم الخط

على طريق المصالحات -2-
المسيحيون وذاكرة الحرب

خلال المعركة الانتخابية الاخيرة، وفيما كان جميع الاطراف يتراشقون بالشعارات والمواقف السياسية، بدا لافتا أن المعركة عند المسيحيين، على عكس المعركة في الوسط الاسلامي، تركّزت على الماضي، أي على إعمال الخنجر في جروح الماضي. وهذا واضح من خطاب الجنرال ميشال عون الذي امتاز بما عرف بسياسة نبش القبور، والتركيز على ماضي خصومه للتعمية على حاضره هو، الى عودة النائب سليمان فرنجيه الى فتح ملف اغتيال والده طوني فرنجيه قبل ثلاثين عاماً من زاوية التنافس مع "القوات اللبنانية" في الشمال المسيحي، من خلال ابقاء المشكلة قائمة حتى بعد سنوات على اعلانه انه سامح وتخطى المسألة، وبعد سنوات على قبوله الاشتراك في حكومة الرئيس عمر كرامي الاولى بعد الطائف والتي عين فيها ممثل لـ"القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع، مع الاشارة الى نشر كتاب عن مجزرة اهدن ألفه ريشار لا بيفيير، احد الكتاب الاجانب المعتمدين في منظومة "البروباغاندا" السورية – اللبنانية المشتركة.

لماذا الحديث عن موضوع الذاكرة اليوم؟ للقول إن كثيرين من المسيحيين توجهوا الى صناديق الاقتراع لا ليصوتوا على الحاضر والمستقبل بل على الماضي، وقد كان أليما بالفعل، من عصر الحروب المسيحية – الاسلامية الى عصر الحروب المسيحية – المسيحية. وعلى الرغم من محاولة بعض الوجوه الجديدة الواعدة مثل النائب الشاب نديم بشير الجميل الترويج لفكرة تنقية الذاكرة المسيحية، فقد تمترس آلاف الناخبين المسيحيين خلف جدار ذاكرة الحرب وصوّتوا لا للحاضر بل للماضي. وربما كان هذا احد الاسباب الاساسية التي أنقذت "التيار الوطني الحر" من كارثة انتخابية محققة رداً على سياسة الالتحاق بجانب من السياسة السورية في لبنان، واكثر من ذلك بالمشروع الايراني الذي ينفذه "حزب الله" على الارض.

قبل أيام زار النائب سامي الجميل النائب سليمان فرنجيه ووضعت الزيارة تحت بند المصالحات، ربما أسوة بالمصالحات الاسلامية – الاسلامية التي انخرط فيها كل من النائب وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري، ومع تعجيل فرنجيه تقرّبه من الكتائب برئاسة الرئيس امين الجميل، طرح اكثر من سؤال عن تباطئه في التصالح مع "القوات اللبنانية"، مع ان فرنجيه كان يعرف اكثر من غيره ظروف مقتل والده في "غزوة" حزبية جرت خلال الحرب اللبنانية، فاختار ان يصالح جهة من فريق كان واحدا خلال الحرب، و ان يتباطأ مع جهة أخرى، مع العلم ان فرنجيه نفسه ينتمي الى "تراث" الحرب اللبنانية بغزواتها الاهلية و الحزبية الدامية .

أكثر من ذلك، ففي حين أن المسلمين تجاوزوا في شكل او في آخر مرحلة الحرب الدموية وفتحوا صفحات جديدة في العقدين الماضيين (عاد المسلمون وانقسموا في ما بينهم عموديا)، لا نزال نلمس كيف أن المجتمع المسيحي بجزء مهم منه توقف عند محطات "اهدن"، و"الصفرا"، و"صربا"، و"نهر الموت" وغيرها، ويرفض الاقلاع نحو المستقبل. من هنا بدا ان قدرا كبيرا من الوعي السياسي المسيحي خلال الانتخابات الاخيرة ما استطاع تجاوز هذه المحطات، فلم يمح الماضي، ولم يقدر ان يسهم في كتابة حاضره ولا مستقبله.

ان الذاكرة هي عتبة الغفران. وهي باب النسيان وبناء مستقبل آمن، شرط ألا يقع المجتمع اسير ذاكرة تحجب عنه حاضره ومستقبله. فهل يجتهد المسيحيون اكثر في مجال تنقية ذاكرتهم الجماعية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل