الثلث المعطّل تحوَّل "بارومتراً" للتفاهم السوري – العربي
التشجيع الغربي لدمشق يتجاوز لبنان الى إبعادها عن إيران
أثار كلام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قبل أيام قليلة وتقديمه شهادة حسن سلوك الى سوريا، بقوله انها وفت بالتزاماتها معه ازاء لبنان، اهتماما لدى البعض وتساؤلات لدى البعض الآخر من حيث توقيت هذا الكلام الذي أتى في ظل سلة شروط ابلغتها سوريا عبر الجانب السعودي، في مقابل تسهيل تأليف الحكومة في لبنان. الا ان مصادر ديبلوماسية تقلل عامل التوقيت وحصرية هذا الموقف الفرنسي المتعلق بلبنان، اذ ان على اللبنانيين ان يكونوا جاهزين ليسمعوا كلاما من هذا النوع على سوريا بين مدة واخرى. والواقع ان كل خطوة تطالب بها سوريا من الغرب او سواه ازاء لبنان، او اي نقطة حساسة تتعلق بالمنطقة وتتجاوب معها دمشق ستلقى استحسانا واشادة على مستوى عال بما يمكن ان يعتبرالمواقف الغربية الاخيرة تصفيقا تشجيعيا من اجل افهام سوريا ان اي خطوة تقوم بها ستكون موقع تقدير، وستكافأ على ذلك بطريقة او بأخرى. وقد سبق للديبلوماسية الاميركية ان قامت بأمر مماثل، وإن باسلوب اكثر تحفظا وحذرا من الاسلوب الفرنسي، خصوصا ان الخطوات المطلوبة على طريق فتح حوار ثقة بين الغرب وسوريا لا تزال في أول الطريق.
وتكشف المصادر الديبلوماسية ان زيارة الديبلوماسيين الفرنسيين فرنسوا غيان وجان دافيد لوفيت للعاصمة السورية خلصت، بحسب ما نمي الى هذه المصادر، الى تعهد سوري بتسهيل تأليف الحكومة اللبنانية وعدم رفع الثلث المعطل شرطا ضروريا للتأليف. ولعلّ هذا التعهد او الالتزام الجديد هو في صلب اشارة ساركوزي ضمنا الى ان سوريا التزمت ما تعهدته امامه في شأن لبنان، وستتابع التزامها في هذا الشأن، وان مواصلتها ذلك ستكفل لها مكافآت ليس أقلها هذه الاشادة بها علنا عشية قمة الثماني في ايطاليا. وتقول هذه المصادر إن تشجيع سوريا في المرحلة المقبلة سيتزايد اكثر من حيث رغبة الغرب في إبعادها عن ايران ومحاولة تقديم ضمانات لها في المقابل توازي من حيث المبدأ تلك التي تحصل عليها من طهران. وثمة كثير من ذلك قد يكون على الطاولة، من تأمين الضمانات اللازمة لحماية النظام، الى ضمان الامن لسوريا واعادة دور اقليمي لها هو في صلب الاطمئنان السوري. ولعلّ بعض التفهم يُدرج في اطار سعي سوريا الى تحسين موقعها وتجميع أوراق اضافية لها او محاولة رصد الصدى الدولي لاي عودة لنفوذها الى لبنان من خلال محاولة الافادة من الاشادات بها لإعادة تحصيل نفوذ اضافي لها في لبنان من خلال ثمن في مقابل تسهيل تأليف الحكومة اللبنانية. لكنها ضُربت على يدها، اذا صح التعبير، بعدما تبين انها تجاوزت هذا المسعى، أي تحسين الموقع، الى فرض شروط تعيد اليها نفوذها معنويا وماديا في لبنان. وترددت معلومات أن الامر أتى من الاميركيين، مما يعني أن الملف اللبناني لا يزال تحت الرقابة الشديدة ولم يخرج عن اهتمامات الدول الكبرى، وإن لم يعد من الاولويات. كما يعني ذلك ان سوريا تجاوزت حدها والاشادة بها لجهة عدم تدخلها في الانتخابات، وهذا لا يسمح لها بمحاولة الحصول على مقابل في لبنان. فالاقرار بنفوذ نسبي لها بمعنى الاقرار بالامر الواقع نتيجة الجغرافيا والتاريخ لا يعني التسليم لها مجددا من خارج بذلك او شرعنته.
ولا تُخفي المصادر ان سوريا شعرت بأهميتها في الآونة الاخيرة من خلال العودة الى الانفتاح عليها لاسباب متعددة، فبدأت تتدلّل، علما ان العاصمة السورية تبرع في توظيف اي موقف صغير لمصلحتها في وجه خصومها.
وقد لفتت المصادر نفسها اشارة ساركوزي في الحديث نفسه الى أن قوى 14 آذار فازت بالاكثرية في الانتخابات، مما يعني عمليا وجوب أن تلتزم سوريا ذلك ايضا وتحترمه وتتعامل مع لبنان ومع تأليف الحكومة على هذا الاساس. لكن واقع الامر هو ان ما تفاوض عليه سوريا أبعد من تأليف الحكومة، وهي تستخدم لبنان مجددا لتحصيل ضمانات عربية وغير عربية. يعبّر عن ذلك التمسك بالثلث المعطّل بطريقة علنية او ضمنية من قوى 8 آذار، في انتظار أن تحصل دمشق على ما ترغب في سماعه، وقد يكون كلام ساركوزي جزءا منه، علما ان المطلوب راهنا يبدو على نطاق عربي، وعندئذ تفك عقدة حلفائها. وقد تحول الثلث المعطل "بارومتراً" يعكس الاصرار عليه عدم حصول التفاهم العربي مع سوريا حتى الآن، والتخلي عنه مرتبط بحصول هذا التفاهم.
الا ان ردة الفعل اللبنانية السياسية غير الرسمية غالبا ما تعبّر عن "نقزة" من عودة الماضي في التعامل السوري مع لبنان، في ما يعتبره البعض مكسباً سورياً في وجه الغرب عموما الذي رغب في تغيير سلوك سوريا على الاقل وليس النظام فيها، في حين أن ما يتغير هو هذه الدول وليس سوريا فعلا. وهذا أمر تناقضه المصادر الديبلوماسية باعتبار ان سلوكا مغايرا باتت تعتمده سوريا، وإن تكن تعّبر بين وقت وآخر عن عدم خروجها فعلا من العقلية التي تحكمها ازاء لبنان ونظرتها اليه ومحاولتها توظيفه ورقة لتحصيل مطالب لها كما فعلت دوما. لكن نتيجة الانتخابات في ذاتها هي أبلغ تعبير عن عدم رغبة اللبنانيين في وصايتها على لبنان مجددا، وإن عبر حلفاء لها، لأن قوى 14 آذار حفلت بتناقضات كثيرة وبثغر عدة، لكن جمهور هذه القوى تجاوز قياداته غالبا نحو تثبيت الخيار السياسي الذي تمثله، لذلك انتفضت القاعدة قبل القيادات السياسية على الشروط التي فرضتها دمشق تسهيلاً لتأليف الحكومة.