#dfp #adsense

تسوية لأربع سنوات ؟

حجم الخط

تسوية لأربع سنوات ؟

بصرف النظر عن التعقيدات الموضوعية والطبيعية والكلاسيكية التي تواجه عملية تشكيل الحكومة الجديدة أسوة بكل استحقاق حكومي تبعا لظروف لبنان المتقلّبة، تكتسب "المفاوضات" الصعبة الجارية لاستيلاد حكومة الرئيس سعد الحريري "الاولى" بُعداً أوسع من مجرد عملية تنظيم لتقاسم السلطة، حتى أنه يتجاوز المعنى التبسيطي لربط هذه العملية بتفاهمات عربية – عربية.

ذلك أن الاطراف الثلاثة المعنيين بتشكيل الحكومة، الغالبية والمعارضة ورئاسة الجمهورية، لا يخوضون غمار هذه المفاوضات على خلفية الهدف المباشر لها فقط، بل ايضا على خلفية "التموضع" المديد لأربع سنوات مقبلة ضمن اطار سياسي واسع وثابت سيقوم على ولادة الحكومة العتيدة.
فالمفاوضات الحكومية الجارية لا تقف في خلفية أي من الافرقاء الثلاثة عند حدود الصيغة او التركيبة الحكومية الجديدة فحسب، بل تتجاوزها الى تسوية سياسية شاملة حين يتم التوصل اليها ستكون أشبه "بميثاق إجرائي" رديف للدستور نفسه ينظم مسار الحكومات ما بين انتخابات 2009 وانتخابات 2013 على طول الخط الزمني والسياسي الآتي، لأن مكونات هذه التسوية وظروفها لن تكون قابلة للتغيير مبدئيا طوال هذه السنوات ما لم تطرأ أحداث من النوع الذي يقلب الطاولات الاقليمية ومعها أوضاع لبنان بطبيعة الحال.

تبعا لذلك تفاوض الغالبية عبر زعيمها الرئيس المكلف على قاعدة التسليم بحكومة وحدة وطنية مع وضع خطين أحمرين لا يمكنها التنازل عنهما، هما احتفاظها بغالبية موصوفة تترجم التفويض الانتخابي، والحؤول دون استحضار الثلث المعطل مجددا الى السلطة التنفيذية. وتدرك الغالبية جيدا أن التزامها الانفتاح على أي صيغة لتأمين مشاركة المعارضة في الحكومة يقف عند حدود هذين المانعين، لان التفريط بهما سيرتب عليها سابقة تهددها كطرف أكثري أولا، ويقدم للمعارضة "عرفا" جديدا آخر يضاف الى رزمة أعراف هددت بطرق مختلفة اتفاق الطائف وكل مسار النظام الدستوري ولم يعد ممكنا بعد الانتخابات الاخيرة التسليم بها وإلا عُدّت "تطبيعا" لواقع غير دستوري يلتهم تدريجا الطائف برمته.

وتفاوض المعارضة من جانبها على قاعدة التسلح بسابقة الثلث المعطل او ما يوازيه من ضمانات ملزمة في تركيبة آلية القرار التنفيذي نفسه وفي البيان الوزاري لاحقا وربما أكثر مستفيدة من كون الرئيس المكلف هذه المرة هو زعيم الغالبية شخصيا، وأن أي تسوية معه ستعتبر القاعدة الثابتة للسنوات الاربع المقبلة. وفي ضوء ذلك سيكون من الخطأ تقليل أهمية تركيز المعارضة على آلية القرار ضمن التركيبة الحكومية لانه يعني للمعارضة أمرا يوازي بخطورته موضوع سلاح "حزب الله"، إذ انها تنظر الى التركيبة الحكومية باعتبارها ورقة الضغط الاساسية التي تعوضها خسارتها الانتخابية في مرحلة العبور الى الانتخابات المقبلة.

أما رئاسة الجمهورية فتفاوض من موقع لا يقل مصيرية عن الفريقين السياسيين الكبيرين، لأنها تدرك تماما أن الحكومة الجديدة تشكل واقعيا أولى حكومات العهد الفعلية، وليس حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية التي جاءت بها ظروف انفجار 7 ايار 2008 وتسوية الدوحة مثلما ملأت تلك الحقبة الفراغ الرئاسي سواء بسواء. وفي ضوء ذلك تشكل الحكومة الاولى لسعد الحريري الفرصة الفضلى للرئيس ميشال سليمان لكي يكون موقعه الحكومي المقبل البديل الداخلي النظامي والدستوري والمعنوي من الثلث المعطل، والضمان المسلم به اجماعيا لتنظيم السلطة بين أكثرية وأقلية وابتداع آليات للشركة السلطوية لا تخرج عن معايير الدستور. ويدرك رئيس الجمهورية بدوره ان الحكومة المقبلة هي محطة مفصلية في عهده لأن السنوات الاربع المقبلة ستشكل ثلثي ولايته وتاليا فان الحكومات التي ستتعاقب فيها ستصنع انجازات هذا العهد الفعلية او سترتب عليه محاذير الاخفاقات.
فهل من يستعجل تاليا تشكيل حكومة هذه مواصفاتها الخلفية الحقيقية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل