القلب السوري الكبير و"تقلّب قلب" بعض القيادات!!
فكّر مطوّلاً اللبنانيون بالأمس بعدما أنصتوا إلى كلام وزير الخارجية السورية وليد المعلم، متجاهلين "تفاهات" برنار كوشنير التي تفوّه بها فهو يصلح لأية مهنة إلا وزير خارجية لدولة بحجم فرنسا، قد ينفع واعظاً ربما على اعتبار أنه يوزع "عظاته" عن أبو جنب!! وجاء كلام وزير الخارجية السّوري جديراً بالتأمّل والتدقيق والتقليب على جميع وجوهه، لنطرح السؤال بعدها:"هل تغيّر شيء"؟!!
تساءل اللبنانيون مطوّلاً عن السؤال (السوري) الذي طُرح تحديداً للحصول على هذه الإجابة – الرسالة، ولكن إجابة "الغزل" هذه من المعني بها؟ لم يحتج الأمر إلى تفكير طويل، ثمة رسائل عدّة وجّهت إلى سورية عبر الوسطاء، وعبر الحلفاء القدامى – الجدد، ولكن ولأنّ "الشكل" يهم سورية كثيراً، كما أوحى الأمر بزيارة مطلوبة من سعد الحريري إلى دمشق قبل تأليف الحكومة من باب "الطاعة"، وعندما اعتذر دولته وأعلن أن "كل شي بوقتو حلو"، سارعت جريدة "الأخبار" بقلم الأمين على ترجمة الغضب والرضا الدمشقيين، يوم السبت الماضي إلى نشر عنوان من وزن: "الحريري في غرفة الانتظار: أدركني يا عبد الله"، شنّت فيه حملة تهشيم متعمّدة للرئيس المكلّف!! والاستنتاج هنا ليس صعباً ولا معقداً بل بسيط جداً:سعد الحريري ليس من "بعض القيادات" المعنية برسالة الوزير السوري؟
هذه الإجابة – الرسالة وهي شديدة الوضوح:" إن قلب سورية كبير ومَن يخطو خطوة باتجاه سورية نخطو باتجاهه خطوتين"، وذيّلت هذه الرسالة بتحليل واضح:"بعض القيادات اللبنانية بدأت "تستوعب" حقائق "التاريخ والجغرافيا"!! قد تكون هذه القيادات من وجهة نظر صاحب التحليل "قليلة الاستيعاب" أو "استيعابها بطيء"، ولا يعنينا هنا درجة استيعاب هذا البعض المقصود من القيادات، ما يعنينا أن "الأطروحة الغامضة" في التاريخ والجغرافيا، عادت لتطل برأسها، من دون الحديث عن سيادة واستقلال البلدين، فبين مصر والسودان مثلاً احترام متبادل بين دولتين مستقلتين كانتا في ما مضى مملكة واحدة، ليس هناك من دولتين متجاورتين إلا وبينهما أمور مشتركة في التاريخ والجغرافيا، إلا التاريخ والجغرافيا بين لبنان وسورية فالحديث عنهما دائماً مبطّن وبينقّز!!
ونريد هنا أن نؤكّد تمسكنا بالروابط الإنسانية القائمة بين البلدين والشعبين، ولكن مع ملاحظة عزلهما عن التاريخ والجغرافيا، ونريد أن نؤكد أن اللبنانيين على رغم الثلاثين عاماً الماضية لا يحملون ضغينة لها ولا لشعبها، ولا يتمنون لها ولدولتها إلا الخير، ولا يطلبون منها، إلا أمراً واحداً وحيداً أن تعترف عن اقتناع ـ لا عن ضغط دولي ـ بلبنان ودولته وشعبه وطناً حراً مستقلاً، ويطلبون أيضاً إجراء تعديل على تلك "الكليشيهات" المعهودة في مخاطبة اللبنانيين، فالحديث عن قيادات تتقرب خطوة، وأن سورية قلبها كبير (وهذا يعني أنها ستغفر لهم خطاياهم في المطالبة بالاستقلال) وتتقرب من هؤلاء خطوتين، فهذا يعني خلاصة واحدة:أننا "مطرحك يا واقف"، وأن العلاقة لن تكون من دولة إلى دولة، بل من مجموعة سياسيين "انتهازيين" يميلون مع مصالحهم لا مع وطنهم!! وسورية، عندها حقّ وغير ملومة أبداً، فهي لا تضرب أحداً على يده ليحفى على طرقاتها ولا ليقف ذليلاً على أعتابها !!
أخيراً ؛ يبقى السؤال الذي تأمل فيه اللبنانيين كثيراً وتساءلوا:من المعني برسالة الغزل هذه؟ والإجابة ليست صعبة أبداً، فالمقصود هنا أحد من قيادات 14 آذار، وليس أحداً من قيادات 8 آذار لأنهم "قايمين نايمين" على طريق دمشق.. وقيادات 14 آذار معروفون سواء أكانوا من الصف الأول أم من الصف الثاني، وخطابهم أيضاً معروف، ولم يقترح أحد منهم زيارة ولا طلبها مع حرص الجميع على التأكيد: أننا نريد أفضل العلاقات بين لبنان وسورية على قاعدة الندية واحترام السيادة والاستقلال المتبادلين…
المعني بالرسالة – الإجابة وهذا الغزل "الخطوي" هوالنائب وليد جنبلاط، ها قد جاءه الجواب على تصريحه أواخر الأسبوع الماضي: عندما أعلن "صفحات الماضي، متجاهلاً كل ما حدث وأريق من دماء شهداء في هذا الماضي يجب أن تطوى، ويجب أن نطبق الطائف، ونفتح صفحة جديدة مع سورية".. صحيح، هذا هو المطلوب، ولكن.. أخطر ما قاله جنبلاط ولم يعلّق عليه أحد من اللبنانيين ولا من المعنيين أنه وضع تطبيق الطائف تحت رحمة التوافق "السوري – السعودي" وزاد عليه "وإذا كان لا بد من الحديث إلى إيران فلا بأس بذلك"!!! أليس تطبيق الطائف شأن داخلي لبناني؟!
وهكذا؛ بتصريح واحد "زركنا" رئيس اللقاء الديمقراطي بين ثالوث محوري جديد: سورية ـ السعودية ـ إيران!! وطرح جنبلاط رؤيته لاستقرار لبنان:"في تاريخ لبنان ككل، لم يشهد بلدنا استقراراً إلا بوجود استقرار في العالم العربي ومحوره سورية والسعودية"، هذه المرة، قرر جنبلاط في حديثه حذف مصر من المحور التاريخي: مصر ـ السعودية – سورية، فهل قرّر الاستعاضة عنها بإيران؟! هل هكذا تكافأ دولة عربية كبرى على استقبالها له وتعاطيها معه على أنه من كبار قيادات لبنان!!
أما قول رئيس اللقاء الديمقراطي: "ملفي مع السوريين سأعالجه على طريقتي"، فببساطة لا يهمنا كثيراً ملفّه الشخصي مع سورية فهو يتحمّل وزر انجرافه في المعاداة أو الموالاة حتى النهاية، يهمنا فقط أن لا يتأبط مع ملفه ملفّ لبنان، فمن غير المسموح ولا المقبول بعد السنوات الأربع الماضية وبعد كل دماء الشهداء الذين سقطوا من أجل استقلال لبنان، وبعد تحقيق التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسورية، أن يتعاطى البعض مع لبنان من زاوية مصالحه الخاصه، ففي لبنان رئيس جمهورية اسمه العماد ميشال سليمان، وفي لبنان رئيس حكومة مكلّف سيشكل حكومته، ورئيس مجلس نيابي، وهذه المؤسسات الثلاث منوط بها فقط الحديث باسم اللبنانيين!!
بلغنا أن رئيس اللقاء الديموقراطي عاتب علينا، ولم نعرف عتبه علينا بلغ كم "قيراط"، لذا لابدّ من أن نقول له من موقع محبّتنا له وتقديرنا لقيادته للشعب اللبناني في لحظة انهياره التام يوم 14 شباط 2005، بل من واجبنا أن نقول له أننا أيضاً عاتبون عليه و24 قيراطاً!! وما دام الحديث عن القلب الكبير والقلوب المتقلّبة فأفضل ما يقوله لبنان في غمرة هذا الغزل "القلبي":"يا قلبي لا تتعب قلبك"!!