تأليف… على إيقاع عِبَر انتصار تموز!
<… يد واحدة لا تُصفّق، ولا نريد أن تكون هناك يد تلوي الأخرى…>، بهذه الكلمات القليلة والمعبّرة، اختصر الرئيس المُكلّف سعد الحريري تقييمه للمراحل التي قطعتها مشاورات تأليف الحكومة العتيدة، مكتفياً بالإيحاء فقط إلى العقبات التي تعترض جهود التأليف، والتي تحول، حتى الآن، دون تظهير الحكومة الجديدة بالسرعة التي يتمناها كل لبناني.
وإذا اعتبرنا جدلاً أن الإجماع على التوافق ومد يد الحوار والتعاون مع الآخر، قد تجاوز أشكال <اليد الواحدة لا تصفّق>، فإن إصرار المعارضة على تفسير الشراكة في حكومة الوحدة الوطنية على قاعدة الإمساك بحق الفيتو عبر المطالبة بالثلث المعطل، فان هذا الإصرار يضاعف حجم العقبات التي تعترض التشكيلة الحكومية، ويعطّل انطلاقة مسيرة الدولة بالزخم المناسب لذلك الإقبال الشعبي، وغير المسبوق، على صناديق الاقتراع في الانتخابات النيابية الأخيرة.
ولم يعد خافياً أن رفع سقف مطالب المعارضة في الاتصالات والمشاورات الجارية على أكثر من صعيد، بعيداً عن الأضواء الإعلامية، يرمي إلى إصابة هدفين، أو أكثر، في وقت واحد:
الأوّل: استنزاف المكانة والرصيد السياسي للرئيس المُكلّف كزعيم للأكثرية وكرئيس لأكبر كتلة نيابية يمثل نوابها كل الطوائف ومعظم المناطق اللبنانية، ويحظى بدعم عربي ودولي واسع.
الثاني: تجويف الانتصار السياسي الذي حققته قوى 14 آذار من مفاعيله السياسية والوطنية، وتصوير الأكثرية وكأنها عاجزة عن الإمساك بالسلطة، وإدارة شؤون البلد، وفق ما تقتضيه النظم والأعراف الديمقراطية!.
فضلاً عن حرص المعارضة وحلفائها الاقليميين على توجيه الرسائل اللازمة إلى من يعنيهم الأمر في عواصم القرار العربية والدولية، والتأكيد على أن الملف اللبناني يبقى من الأوراق المطروحة على طاولة المفاوضات، عندما تحين ساعة التفاوض!
* * *
اما الأحاديث الأخرى التي يُطلقها بعض الأطراف في المعارضة عن <الاستعداد لتسهيل مهمة الرئيس المُكلّف> و?<أهمية الإسراع في تشكيل الحكومة العتيدة> فتبقى من باب ذر الرماد في العيون، لأن ثمة من يعتقد في المعارضة بأن تأخير التأليف لا يصيب الرئيس المُكلّف وحسب، بل ويعطّل أيضاً طموح الرئيس ميشال سليمان، وسعيه الدؤوب لتأمين الانطلاقة المنشودة لعهده، الذي دفع سنته الأولى ثمناً لسياسة التعطيل التي شلّت أعمال الحكومة المستقيلة، تحت ضغط الثلث المعطّل الذي شهرت سلاحه المعارضة أكثر من مرّة، لمنع تمرير تعيينات وتشكيلات إدارية ملحة لاطلاق عجلة الإدارات العامة في الدولة.
وإذا وضعنا حديث <التمثيل النسبي> الذي يردده العماد عون جانباً، لأن معظم حلفائه غير مقتنعين به، فان أخطر ما يرافق طرح الثلث المعطّل، هو هذا الكلام المتكرّر من أكثر من طرف من المعارضة، ومن بعض المحسوبين عليها، عن الاستعداد للنزول إلى الشارع مجدداً، في حال لم يُلبَّ مطلبهم، وإلى حدّ أن بعضهم يلوّح في أحاديثه وتصريحاته بتكرار تجربة 7 أيّار المشؤومة، وكأن مشروع الفتنة عندهم أصبح بسهولة لعبة كرة القدم!
في حين يعلم من بيدهم الأمر أن الحل والربط، عندما تدق ساعة الحسم، ليس هنا، وأن الإشارات تأتي من الخارج عندما تكتمل الاتصالات والمفاوضات، وتصل إلى خواتيمها السعيدة.
فلماذا إذاً كل هذه البهورات في الداخل؟
ومن يستفيد من التلاعب بنيران الفتنة البغيضة، غير الأعداء المتربصين بهذا البلد، وبهذه الأمة شراً، لمصلحة العدو الإسرائيلي؟
* * *
ومن المفارقات العجيبة في هذا الوطن المعذب، اننا نعيش هذه الأيام ذكرى مرور السنة الثالثة على حرب تموز التي تصدى فيها لبنان لأشرس عدوان إسرائيلي وحشي، مارست فيه آلة الحرب الصهيونية أبشع غارات التدمير المنظّم لعشرات القرى الجنوبية، ولآلاف المنازل في الضاحية، وتسببت بتهجير قرابة مليون لبناني من منازلهم وقراهم، فضلاً عن تدمير مئات الجسور والطرقات التي تؤمّن التواصل بين المناطق.
وكان انتصار لبنان مدوياً في دحر العدوان ومنع الجيش الإسرائيلي من تحقيق أهدافه بالقضاء على المقاومة وضرب قياداتها، وذلك عبر التلاحم الوطني الكبير بين الشعب والجيش والمقاومة، الذي أفشل مخططات العدو في الرهان على الانقسامات الداخلية، وفي إمكانية عزل المقاومة واستفرادها تحت وطأة الخلافات السياسية المحلية.
لقد ساندت الجبهة الداخلية الموحدة أبطال الجيش والمقاومة في ملاحم التصدي لأسطورة <الجيش الذي لا يُقهر> وأجبرته على التراجع في العديد من المواقع، ومنعت تقدمه في مواقع أخرى.
فأين أصبحت هذه الجبهة الوطنية الموحدة في عصر الفتن والانقسامات؟.
ولماذا اللجوء إلى أساليب التحدي والاستفزاز بالسلاح، وبدون سلاح، كلما لاح في الأفق خلاف سياسي؟.
وهل تجوز التضحية بقدسية سلاح المقاومة، وتحويله إلى أداة لقهر الناس الذين ساندوه ودافعوا عنه في الداخل والخارج؟.
ومَن يتجرأ على تغطية استخدام سلاح المقاومة، الذي يجب أن يبقى موجهاً ضد العدو الإسرائيلي، في حسم الخلافات السياسية، وتحويل وجهة استعماله إلى الداخل ضد الشريك في الوطن وفي المصير؟.
والمُحزن المُبكي أننا نؤجّج نيران الخلافات بيننا، ونُشهر السلاح في الأحياء الآمنة، ونغطي المشاغبين والغوغائيين في الشوارع المتصادمة، في وقت يُصعّد نتنياهو تهديداته اليومية ضد لبنان وحكومته ومقاومته، وكأننا نستنسخ تجربة أهل بيزنطة في خلافهم السفسطائي حول جنس الملائكة، في وقت كانت جيوش اعدائهم تدكّ قلاعهم، وتُمهّد لاجتياح مدينتهم!!!.
انتصار حرب تموز هو لكل لبنان.
وأول دروسه وعبره تقضي بالعودة الى مدار الوحدة الوطنية، والعمل الجدي على تعزيز الجبهة الداخلية برعاية الدولة القادرة التي يجب أن تكون هي الضمانة الحقيقية للجميع!.