#adsense

“القلب الكبير” المقفل!!

حجم الخط

"القلب الكبير" المقفل!!

عادة لا تتحدث الدول بلغة "الأنسنة"، فالدول لا "قلوب" لها، بل مصالح حيوية وعلاقات تكتسب أهميتها بحسب الضرورة، تطوراً وتدهوراً، وحده وزير الخارجية السوري حدثنا أمس الأول عن "قلب سورية الكبير"، مع أنه وزير خارجية وهذه ليست لغة الديبلوماسية بل لغة الأغنيات العاطفية، إلا أننا سنتجاوز عن اللغة، لنطرح أسئلة مؤلمة، قد تبلسم الإجابة عليها الجراح اللبنانية العميقة والتي يحتاج التئامها وبرؤها إلى صدق وصراحة، لأن سورية لم ترد يوماً أن تستمع إلى لغة صادقة من القلب للشعب اللبناني، بل حرصت دائماً على تصديق كلام ببغاءاتها "الخرساء" التي تشبه جماداً، وهي تكر تسجيلاً صوتياً ركّب في "ظهورها" كما اللعبة أو الآلة، لم ترد سورية يوماً أن يتسع قلبها ولا صدرها للشعب اللبناني، بل أسمعته دائماً معزوفة واحدة لم تتغير، حتى أصيب باليأس من إحداث أي تغيير على مستوى العلاقة الحقيقية بين شعبين يربطهما الكثير، وفرّق بينهما ما اصطلح على تسميته بـ"أخطاء" وهذا تخفيف كبير لحقيقة ما يجب أن تُسمّى به!!

ويستدعي حديث وزير الخارجية السوري عن "قلب سورية الكبير" أن نقول : ربما هو قلب كبير، ولكنّه كان دائماً مقفلاً!! هل كان هذا القلب الكبير مفتوحاً تجاه الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أطلق عليه يوماً:"وزير خارجية سورية ولبنان"؟! هل اتسع "القلب السوري الكبير" ولكن المقفل لصدق رفيق الحريري الذي أهين مراراً وتكراراً، من أجل "الزلمي التابع" الذي لم يكن يوماً رئيساً بقدر ما كان تابعاً لمن عيّنه، فصمّت الآذان وأقفلت القلب دون الحريري الشهيد لأنه أراد مصلحة لبنان وسورية، فيما أراد آخرون رئىس اللحود غنائم عهده الممدد الذي "قُبِر" خيرة رجال لبنان في عهده؟!

أي قلب كبير هذا الذي حُدثنا عنه، الذي تفرّج على لبنان يُدّمر في حرب تموز، ثم استثمر ما سمّي "نصراً إلهياً" والقتلى أطفالاً ونساءً وعجائز كانوا ما زالوا تحت الأنقاض؟ أي قلب كبير هذا الذي لم يحتمل مجرد مطالبة الشعب اللبناني بسيادته واستقلاله!! وأي قلب كبير هذا الذي ترك "ضابطاً" واحداً يتحكم برقاب السياسيين اللبنانيين، ويكيل لهم التهم ويوجه مسدسه إلى صدورهم ناضحاً بأقذع العبارات، مهما كانت قيمة الجالس أمامه، فلم ينزل الناس منازلها ولا مقاماتها؟!

وأيّ قلب كبير هذا الذي قال لرفيق الحريري "حاصرناك نحن والأجهزة"، ثم أَفْلت عليه " صبياناً أذناباً" ليهينوا كرامته وكرامة لبنان ليل نهار؟! وأي قلب كبير هذا الذي حرّض الأجهزة وكتبة التقارير على رفيق الحريري حتى كادوا يجعلون منه "أكبر كبائر" السياسة اللبنانية؟!

وأي قلب كبير هذا الذي في لحظة انهيار لبنان وفجيعته باستشهاد الرئيس رفيق الحريري وقبل أن يصدر عن الشعب اللبناني أي اتهام وأي حرف في لحظة الصمت المروّع، تصرّف وكأن الذي استشهد مات بنوبة قلبية وكأنه لم يغتل بـ 1800 كلغ من المواد المتفجرة التي مرت بين شغاف القلب الكبير ومن تحت ناظريه وقال إنه لم يرها ولم يشعر بها ولا يعلم عنها شيئاً، وتحدث عن استشهاده بأنفة شديدة، كأن الرجل الكبير الذي كان بحجم وطن لم يكن موته أكثر من موت "منبوذ"!!!

وأي قلب كبير هذا، الذي أعلن أن خروجه من لبنان يعني وقوع الحرب الأهلية، ثم لم تقع !! وأي قلب كبير هذا الذي أبلغ دول العالم أن لبنان أصبح موطناً للقاعدة والإرهاب، ولم يصبح!! وأي قلب كبير هذا الذي يرفض إراحة لبنان من عدوان العدو الإسرائيلي ويرفض تقديم صكٍ للأمم المتحدة يثبت فيه كتابة ما دأب على قوله شفاهة عن لبنانية مزارع شبعا؟!

نعم، سورية قلبها كبير، سورية حضارة الأمويين، ومرقد الصالحين من الصحابة الكرام، وأهل بيت النبوة الأطهار عند سويقة الباب الصغير، ومرقد صلاح الدين الناصر والمنصور، سورية الأولياء والصالحين والقديسين، سورية زاوية تدريس الإمام الغزالي، ومرقد الحبيب سيدي الجليل محيي الدين ابن عربي الشيخ الأكبر في عبق "الشيخ محيي الدين"، سورية المسجد الأموي ومقام "يحيى" صلوات الله عليه و"طاقة" موضع رأس الحسين الطاهر، وكنائس صيدنايا المباركة، ومرقد مار مارون، وقلعة حلب ومقام زكريا صلوات الله عليه، ودير الراهب بحيرى المبشّر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلّم في بصرى ومسجد مبرك الناقة، وأرض الشآم المباركة حيث موطئ القدم النبوي الطاهر، وحيث مقام السيدة زينب الطاهرة المطهرة!! هذه سورية التاريخ والجغرافية، التي ما يربطنا بها لا تفك عراه السياسة مهما أجحفت في حق لبنان واللبنانيين وظلمتهم..

ولكن، سورية سياسة "القلب الغُلُف المغلق" التي لم تتحمل يوماً رؤية خارطة لبنان، بل أورثت حديثاً مكروراً ً يؤكد انسلاخ هذه الأرض عنها، وظلت مصرة على تطبيق منطق لو اعتمدته دول العالم لكان هناك اليوم بالكاد ثلاث امبراطوريات لا أكثر!!

سورية "أقفلت القلب الكبير" دائماً في وجه لبنان واللبنانيين، الذين ما زالوا رغم كل ما احتمل تاريخ هذه العلاقة من ضغوط وإقفال حدود وحروب واحتلال ووصاية حتى لا نقول سوى ذلك، ما زال قلب لبنان واللبنانيين يتسع لسورية، عسى فقط أن يتنبّه الذين يحدثوننا عن "القلب الكبير" أن الفارق كبير ما بين حجم القلب، وبين إغلاق أبوابه أو فتحها.. ما نفع القلوب الكبيرة متى كانت مغلقة وموصدة وقد صدئت أقفالها!!

نتمنى، أن تصغي سورية لصوت الشعب اللبناني، لا لصوت أدواتها وزلمها وكتبة تقاريرها، أن تصغي للذين يطرحون سؤالاً واحداً فقط: لماذا لم نشهد سياسة "القلب الكبير" الذي اتسع لكل صغير، وضاق بكبير مثل رفيق الحريري..ولم يتسع لفكر سمير قصير الذي طورد ولوحق واضطهد إلى أن اغتيل، ولم يتسع لجرأة جبران تويني الذي لو أصغيَ إليه لكان لبنان وسورية بأفضل حال!! لماذا قلب سورية الكبير يفرز اللبنانيين بين "حلفاء" خصوصاً الصغار منهم إذا ما نطقوا بلسانها، و"عملاء" إذا ما طالبوا بوطنهم سيداً حراً مستقلاً، لأنهم وعلى صغره يرونه "وسع الدني".

حان الوقت، لأن ينفتح القلب السوري على القلب اللبناني من دون شروط، ومن دون مطالب ترهق كاهل لبنان، ومن دون استقواء الأخت على أخيها لأنها لا ترى فيه إلا قاصراً وضعيف الحيلة، أو بمنطق السياسة دولة هامشية وثانوية لا أكثر، وربما أقل من ذلك!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل