#adsense

من جاد المالح الى المنار مع ألف شكر

حجم الخط

من جاد المالح الى المنار مع ألف شكر
مأساة الإعلام المقاوم 

"ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم"
المتنبي

قد تكون الدعاية السلبية من أنجح وسائل الترويج للأفكار والأشخاص، فالهدف من أي إعلان هو إثارة الانتباه وتحفيز الحواس والتشجيع على زيادة الإطلاع، وفي هذا المجال يتساوى الأكثر جمالاً مع الأكثر قبحاً والأكثر بياضاً مع الأكثر سواداً والأطول مع الأقصر.. وكلها عناصر يتم النظر اليها بشكل بعيد عن الموضوعية لأن رأي الإنسان ومواقفه هي إنتاج جدلية معقدة تدخل فيها عناصر متعددة من التربية والعقائد المكتسبة والتجربة الشخصية والحالة النفسية عند اتخاذ الموقف من أمر ما أو اتخاذ قرار ما.

بالمحصلة فإن خبراء الدعاية يركزون عادة على كل هذه العوامل ويطورونها بناء على الموضوع المطروح وعلى مكان وزمان طرحه.
في هذا المجال، قد تكون الدعاية السلبية أو التشهيرية أحد أهم السبل لنيل الشهرة. والتي قد تفوق في كثير من الأحيان نتائج الدعاية الايجابية. من أهم الأمثلة قد يكون العاصفة الهجائية التي أثارها كتاب الهندي "سلمان رشدي" المعنون "آيات شيطانية" في العالم الإسلامي، ما أدى الى حملات تحريم للكتاب ومنع من النشر، توجتها فتوى الإمام "آية الله الخميني" بقتل الكاتب لأسباب شرعية معللة. بالمحصلة، وبسبب هذا الموقف، أصبح الكتاب، الذي قد يكون في الأساس كتاباً عادياً، من أكثر الكتب مبيعاً في العالم، وأصبح كاتبه المغمور سابقاً، والناجي حتى الآن من حكم الإمام، أحد أكبر رموز حرية الرأي في العالم، وكما أذكر فإنه كان أحد نجوم كبريات المحطات الفضائية لمدة طويلة شرح فيها عن كتابه بحيث وصلت أفكاره الى كل بيت. كما أن الحظر الذي فُرض على هذا الكتاب في الدول الإسلامية جعله من القطع النادرة التي تم تداولها في السوق السوداء لسنوات. وربما بيع منه في بلادنا، التي نادراً ما تقرأ، أضعاف ما كان متوقعاً له لولا الدعاية التي حصل عليها، وأخال اليوم سلمان رشدي يقول للإمام الراحل: شكراً لحكم الإعدام.

ومثال آخر هو كتاب "شيفرة دافينتشي" للكاتب الأميركي "دان باون" الذي استفاد الى أقصى المدى من الاعتراض الكنسي على فحواه لأنها تقوض الأسس التي قامت عليها الكنيسة الكاثوليكية، وكلنا نعلم اليوم أن ملايين النسخ بيعت على خلفية الاعتراض فصار براون مليونيراً بين ليلة وضحاها.

الدعاية للهولوكوست اليهودي

بنفس السياق، فإن الحركة الصهيونية استفادت الى أقصى الدرجات من عملية التشويه لصورة اليهودي التي سادت أوروبا في القرون الماضية، ما أدى الى ردة الفعل العكسية الكبرى التي حولت العالم الغربي الى مدافع شرس عن اليهودية في النصف الثاني من القرن العشرين. وتستفيد الحركة الصهيونية اليوم من استمرار إنكار البعض لمحرقة "الهولوكوست"، غير الحقيقية حسب رأي "روجيه غارودي" الكاتب الفرنسي الإسلامي الذي حوكم في فرنسا بسبب هذه الأفكار (قانون عدم مراجعة تاريخ الحرب العالمية الثانية)، وهذا ما شكل نوعاً من الدعاية السلبية التي تبقي ذكرى المحرقة حية في الذاكرة اليهودية من جهة، والأهم في ذاكرة العالم لتبقى إحدى أهم وسائل الابتزاز النفسي والعاطفي. لذلك فإن الهيصة الإعلامية التي أثارها "محمود أحمدي نجاد" منذ حوالى السنة حول مسألة المحرقة كانت من أهم الأدوات الدعائية الصهيونية التي دفعت الملايين من الأوروبيين الى تذكر العذابات التي تسبب بها أجدادهم وآباؤهم لليهود "الأشكينازيم" عبر تاريخهم الأوروبي، وربما دفعت الآلاف من اليهود أحفاد ضحايا "دميانيوك" ومعسكر "أوشفيتز" المفترضين، ربما الى تلمس أرقام المعتقل المدموغة على ساعد إحدى الجدات كما تفحص "توما" جروح المسيح!

جاد المالح

كل هذا وغيره خطر على بالي وأنا استمع الى حديث الناس حول أسباب إلغاء حفلات "جاد المالح"، وأنا شخصياً لم أكن أعلم عنه شيئاً في السابق ولا حتى يهمني النوع الفني الذي يقدمه والذي قد يزايد الكثير من الفرنكوفونيين ومدعي الفرنكوفونية في لبنان في مزاياه، ولكنني بالتأكيد أصبحت فضولياً لأعرف عنه المزيد بعد السلسلة الترويجية التي تولتها محطة "المنار" لهذا الشخص، ما أدى الى إلغاء الحفلات والى تحويل هذا الفنان الى "بطل" من أبطال حرية الرأي والى "ضحية" جديدة من ضحايا الهولوكوست، وبالتأكيد الى شاهد جديد على غبائنا وعلى "كرهنا للإبداع" بالإضافة الى "تعصبنا الأعمى" في المسائل الدينية. لن يفيد بعدها محاولة تأكيد أو إثبات أن جاد المالح هو من مؤيدي تصرفات جيش الاحتلال الإسرائيلي لأن وسائل الإعلام العالمية سوف تستقبله ليتحدث عن تجربته البطولية في مواجهة الإرهاب الفكري الذي مورس ضده من قبل حفنة من "العرب والمسلمين" ومن بعدها ستنتشر أعماله في السوق السوداء عبر الأقراص المدمجة التي قد يتم طبعها في الضاحية الجنوبية! ولو كنت أنا جاد المالح لكنت قلت: "ألف شكر للمنار".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل