#adsense

الشيطان يكمن في التعريف والمعارضة مرتاحة لحكومة التصريف

حجم الخط

الشيطان يكمن في التعريف والمعارضة مرتاحة لحكومة التصريف
عبدو شامي

تحدثت بعض الأوساط المطلعة عن تطمين قدّمته سوريا للسعودية بتسهيل عملية ولادة الحكومة الجديدة لا سيّما لناحية عدم مطالبة المعارضة بالثلث المعطل فيها، وبناء على هذا التطمين قبِل الرئيس المكلف سعد الحريري تولي منصب الرئاسة الثالثة والمباشرة في تشكيل الحكومة.

غير أنه بعد التكليف، تبيّن أن ذلك التطمين كان عبارة عن فخ نصبته سوريا وحلفاؤها في المعارضة بقصد تدفيع سعد الحريري ثمن فوز تياره و14 آذار في الإنتخابات النيابية فشلاً سياسياً على صعيد تشكيل الحكومة، ما سيشكل بنظرهم حال اعتذاره عن التأليف صدمة قاسية إلى مستقبله السياسي ومغزى نتائج انتخابات حزيران2009.

ففي 28 حزيران، عشية بدء الرئيس المكلف مشاوراته مع الكتل النيابية لاستخلاص تصوراتها حول شكل الحكومة العتيدة، وقع إشكال أمني منظم ومبرمج مسبقاً من قبل المعارضة في منطقة "عائشة بكار" ذات الكثافة السنيّة، بين عدد من أبناء المنطقة وميليشيات مسلحة ومقنّعة من "حركة أمل"، أدى الى سقوط قتيلة من أهل المنطقة وستة جرحى؛ وبدا واضحاً أنها ضربة استباقية من المعارضة أو "دفعة على الحساب" بقصد تذكير الرئيس المكلف وقوى الأكثرية بضرورة إذعانهم للشروط والمطالب التي ستطرحها قوى 8آذار في عملية تشكيل الحكومة وإعداد بيانها الوزاري، وإلا فالسابع من أيار قابل للتكرار في أية لحظة تصطدم فيها إملاءات المعارضة بجدار أبسط الحقوق التي تقتضيها الديموقراطية وتفرضها نتائج الإنتخابات النيابية، ألا وهي تشكيل حكومة تحكم فيها الأكثرية من غير عرقلة أو تعطيل.

في اليوم التالي على توجيه المعارضة تلك الرسالة الدموية للأكثرية، بدأت الألغام التي زرعتها الأقلية لعرقلة مساعي تشكيل الحكومة تتكشّف، فقد أجمعت الكتل النيابية الموالية والمعارضة خلال المشاورات على مطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية، إلا أن الشيطان كمنَ في تعريف المعارضة لتلك الحكومة؛ ففي حين تُعرّف قوى الأكثرية حكومة الوحدة الوطنية على أنها حكومة تتمثل فيها جميع القوى السياسية الأساسية بروحية الوفاق والمشاركة، وتُحترَم فيها مبادئ الدستور والديموقراطية ونتائج الإنتخابات، بحيث تكون قادرة على تسيير عمل الدولة دون عرقلة أو تعطيل… تعتبر قوى المعارضة أن للمشاركة الحقيقية تعريفاً واحداً هو الثلث المعطل، فلا حكومة وحدة وطنية من دونه لأنه يشكل عمودها الفقري!

وإمعاناً في عرقلة مساعي تشكيل الحكومة الجديدة، عمدت قيادة المعارضة المتمثلة حصراً بحزب ولاية الفقيه الى اتباع اسلوب توزيع الأدوار على حلفائها "لتضييع الشنكاش"، فأخذ الجنرال عون مهمة المطالبة باعتماد النسبية في تشكيل الحكومة مدّعياً رفضه فكرة الثلث المعطل، في حين طالب النائب سليمان فرنجية بالثلث المدمّر صراحة، فيما بقي الثنائي الشيعي يشدد على الشراكة الحقيقية دون الإعلان عن مفهومه لها، إلا أن ما لا شك فيه أن النسبية والثلث المعطل وجهان لعملة واحدة يؤديان الى نتيجة واحدة ذات عنوان واحد هو: إمساك المعارضة برقبة الحكومة ومنع قوى 14 آذار من ممارسة أكثريتها في حكم البلاد.

وبما أن الصيغة المثلى التي تنص على تشكيل حكومة خالصة من قوى الأكثرية غير قابلة للتطبيق، بسبب وجود طرف مدجج بأعتى أنواع الأسلحة يتزعّم المعارضة ويحتكر تمثيل طائفته وعلى استعداد دائم لإشعال البلد إذا أقصي عن الحكم (وهو ما قرره الناخب اللبناني فعلاً في انتخابات 2009 إذا أردنا ترجمة نتائجها)، طرحت بعض أوساط الأكثرية صيغة 16-10-4 لحكومة وحدة وطنية، وهي صيغة مقبولة ومناسبة لفريق 14آذار لتضمنها أكثرية مرجحة ومقررة غير مضروبة بالثلث المعطل، يُعطى فيها رئيس الجمهورية حصته الصافية من دون حاجة الى وديعة لديه بحيث يكون هو الميزان الذي يرجح كفة فريق على آخر في المواضيع التي تحتاج لنصاب الثلثين، فيما تبقى لقوى 14 آذار أكثرية النصف زائد واحد لترجيح كفتها عند تعذر التوافق واللجوء الى التصويت في القرارات العادية.

في المقابل، تصر المعارضة على أحد عشر وزيراً (أي الثلث القاتل)، وتتحدث بعض أوساطها عن صيغة 15-10-5 باعتماد توازن في التنازلات، فتأتي الحكومة من دون ثلث معطّل ظاهر ومن دون اكثرية مقررة، ويكون لكلا الطرفين وزير وديعة في حصة رئيس الجمهورية، ما يعني ثلثاً معطلاً بطريقة مقنّعة.

خلاصة الأمر: أن المعارضة تبحث عن كيفية تحويل خسارتها في الإنتخابات الى فوز ساحق عبر شل الأكثرية ومنعها من الحكم الا بما يظهر وكأنه نتيجة لتعاون الأقلية وإرادتها وموافقتها، سواء عبر الثلث المعطل أو عبر صيغة اخرى تكفل لها بالضرورة القدرة على فرملة الحكومة وتعطيل عمل الدولة عندما تجد ذلك مناسباً لأسباب داخلية أو خارجية.

ولا يبدو أن تخلي الأقلية عن مطلبها هذا وارد في المدى المنظور، فمن جهة أولى تريد إيران التمسك بالثلث المعطل لتظهر أنها لاتزال لاعباً أساسياً في لبنان، وأن الإضطرابات الداخلية التي شهدتها غداة الإنتخابات الرئاسية ولاتزال لم تضعفها؛ ومن جهة ثانية تجهد سوريا لاستعادة وتأكيد تأثيرها في الساحة اللبنانية الداخلية لمفاوضة الدول العظمى وانتزاع بعض المكاسب منها مقابل مساهمتها في حلحلة العقد.

ومن الآن حتى رضوخ الأكثرية لإملاءات الأقلية، المعارضة مطمَئنة على وضعها، لأن الثلث المعطل موجود في الحكومة الحالية وإن كانت حكومة تصريف أعمال، ففي حال اضطرارها للإجتماع واتخاذ قرارات في أمور ملحة ومهمات محدّدة مستثناة من انتهاء صلاحيتها، الثلث المعطل جاهز للإستعمال، والبيان الوزاري المتناقض والملتبس في تشريع سلاحها واستقلاليتها باتخاذ قرار الحرب والسلم ساري المفعول أيضاً، فلا داعي للعجلة بالنسبة إليها في تشكيل الحكومة الجديدة التي يبدو أنها لن تبصر النور قبل نهاية موسم الإصطياف!

ونحن تجاه هذا الواقع المتأزم، نذكّر الأكثرية بحق جمهور ثورة الأرز عليها بعد تجديده الثقة بخط 14 اذار في انتخابات2009 المصيرية، أن تكون على مستوى هذه المسؤولية في هذا الإستحقاق، لا أن تخذله عبر الإذعان والقبول بحكومة تكون مثيلة للحكومة السابقة، وتحديداً في موضوع الثلث المعطل والسلاح خارج الشرعية، فجمهور الحرية والسيادة والإستقلال لن يرضى بأقل من حكومة يملك فيها فريقه أكثرية مرجحة وبيانا وزاريا واضحا وصريحا يحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية؛ فالأكثرية خسرت نسبة كبيرة من مضمون انتصارها في الإنتخابات الأخيرة بسبب موافقتها على انتخاب رئيس لمجلس النواب معارض لخطها السياسي، وفي حال رضوخها لابتزاز المعارضة وإعطائها الثلث المعطل تكون قد خسرت الإنتخابات بشكل شبه كامل، ومدّدت لاتفاق الدوحة ومفاعيله الإنقلابية المكرّسة للمثالثة، ليحل نظرياً وعملياً مكان اتفاق الطائف ميثاقاً ودستوراً.

وفي وقت يواجه فيه الإيرانيون نظامهم الظلامي بهتافات "الموت للديكتاتور" والتمرّد على أوامر "الولي الفقيه"، على الأغلبية في لبنان ألا تخضع لتهديدات المعارضة بتقديم مزيد من التنازلات والمساومة على الثوابت. فهل سيتكرر الفيلم ذاته الذي شاهدناه السنة الماضية بعد العودة من الدوحة أثناء تأليف الرئيس فؤاد السنيورة حكومته الثانية؟! الجواب متروك للأيام المقبلة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل