في غياب (الإستقرار الدستوري) البلد في المجهول
كشفت تطورات العامين الأَخيرين عن أزمة عضوية في النظام اللبناني إذا ما استمر تجاهلها أو عدم الإهتمام بها الإهتمام الكافي، فإن من شأنها أن تؤدي إلى (فوضى دستورية) في لبنان.
فالمتعارف عليه أن هناك دستوراً، وإلى جانبه هناك العِرف والسوابق، كما هناك الإجتهاد الدستوري، وهذه الآليات السياسية تُستخدَم لجعل مواد الدستور تلائم أو تواكب تطور المجتمع.
خطورة ما يجري اليوم في البلد أن التطورات تقفز فوق الدستور والأَعراف والسوابق والإجتهادات، إلى شيء لم يتم تحديده وهو المجهول. هذا ما يجري منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق العماد اميل لحود، فعند كل استحقاق دستوري بات اللبنانيون يضعون أيديهم على قلوبهم لإعتقادهم الراسخ بأن شيئاً ما سيُعرقِل الإستحقاق وان مواد الدستور لن تجد مخرجاً له. عند انتهاء ولاية الرئيس لحود بقيت البلاد في فراغ رئاسي من دون أي مسوَّغ دستوري ومع ذلك تعطَّل الدستور ولم يعد العمل به إلا بعد اتفاق الدوحة.
بعد انتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية بقيت البلاد في فراغ حكومي أثنين وخمسين يوماً من دون أي مسوّغ دستوري، ولم يتم التوصل إلى الطبخة الحكومية إلا بعد تدخلات خارجية، مع ذلك بقيت الحكومة معطَّلة لأنها تضمنت في تركيبتها الثلث المعطِّل.
* * *
أُغدقت الآمال والوعود قبل الإنتخابات النيابية على اعتبار أن العهد يبدأ فعلياً في الثامن من حزيران، لكن بعد إنجاز الإستحقاق النيابي والدخول في الإستحقاق الحكومي وضع اللبنانيون أيديهم على قلوبهم متأكدين من ان أزمة تلوح في الأفق انطلاقاً من سوابق العاميَن الأخيرين. كان حدسهم في محلِّه، فها هو الأسبوع الثالث يمر على تكليف النائب سعد الحريري تشكيل الحكومة وكأننا في اليوم الأوَّل على التكليف، كل الضغوط تتم من خارج الدستور والأعراف والسوابق والإجتهادات ويبدو أن الأزمة مفتوحة ولا مهلة محدَّدة للخروج من نفقها، وحتى لو لاحت جرعة تفاؤل ووُلِدَت الحكومة فإن هناك أزمة إضافية تلوح في الأفق وهي أزمة صياغة البيان الوزاري.
* * *
ان عمر الحكومات في لبنان هو، في معدَّل وسطي، نحو سنتين، فهل يُعقَل أن يذهب نصفه في التأليف ونصفه الآخر في تصريف الأَعمال?
ماذا يتبقّى من هذا العمر للحكم الحقيقي?
إنها هواجس واقعية، وما لم تبادر القوى السياسية إلى وضع هذه الهواجس على طاولة البحث فإن البلاد مدعوّة إلى مستقبلٍ غامض سمته غياب الإستقرار الدستوري الذي هو الأساس في الإستقرار الأمني والإستقرار السياسي، ومن دونه من العبث التفتيش عن بلد.