نبيه بري والجنرال ميشال عون : السكاكين الجزينية لم تعد إلى غمدها
إنقشع الغبار في معركة جزين الانتخابية التي دارت رحاها بين الحليفين اللدودين، الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون لتنكشف بوضوح العلاقات المريبة التي يختلط فيها التحالف في الظاهر مع الحذر في النفوس بين حركة أمل والتيار الوطني الحرّ. واذا كانت جزين قد عادت الى أصحابها كما وعد وزير عون المفضل جبران باسيل، لكن التداعيات كشفت هشاشة العلاقة بين الفريقين، وان بقاء النائب سمير عازار في بيته لن يمرّ بسهولة لدى رئيس حركة أمل، كذلك كشفت انتخابات جزين ان بين الفريقين ما صنعه الحداد، ستظهر تداعياته تباعاً، واخر مآثرها هو في الحصص الوزارية الذي أدخل عليها العماد عون علم الجبر والمعادلات الحسابية ليدعم طموحه المتفاقم لدى حلفائه في المعارضة.
والجنرال عون ماهر في تحقيق مطالبه، يرصّ كثيراً ويعوّل على الأصيل، فيتجاهل باستمرار حليفه بري طالما ان حزب الله جاهز، يقدم الغالي والنفيس، يضحي بالذات وبحصته في سبيل بقاء عون في حظائر المعارضة، هكذا انتزع عون تأييد الجحافل الشيعية، وهكذا يأمل ويرجو من حليفه امداده بالمقاعد الوزارية، وهو – الجنرال – احتسب لها وتحضّر، أدخل النسبية في أذهان الحلفاء وباتت اسماً متداولاً في القاموس السياسي، فالجنرال يهوى الأرقام ويهتم كثيراً للأعداد ولو كان تكاثرها من كل قضاء نائب فالمهم تكبير العدد ولو على حساب المضمون. ففي ذهن الجنرال ان قاعة الاربعاء في الرابية يجب ان تمتلئ عن بكرة أبيها، يتحلق حولها نواب لا يجمعهم سوى النكد السياسي ضد الخصوم وينضم الى عديدهم وزراء تصريف الأعمال، عندئذ يحقق عون هوايته التي اصبحت كهواية جمع الطوابع البريدية، وكأن الاصلاح والتغيير لن يستقيما الا مع الوجوه العديدة المتحلقة في الرابية.
واذا كانت لأعداد النواب اهمية لدى الجنرال، فان اهمية المقاعد الوزارية لفريق الرابية تفوق اهمية، فاستبق الجميع ليضعهم ضمن حساباته ومعادلاتها، فاشترط على حلفائه قانون النسبية ورسم لهم، خصوصا للرئيس نبيه بري، سقفا لا يمكن لأحد ان يتجاوزه واذا حاول أحدهم تخطيه فان العماد وتياره سيغادران الى رحاب معارضة المعارضة التي اجادها العونيون حتى الثمالة. والرفاق في المعارضة يدركون جيداً طبيعة القائد العسكري الذي امتهن رصّ الصفوف وتنظيم الألوية والعديد والتعداد.
هذه الصورة النمطية لميشال عون، ضاق ذرعاً بها حليفه الرئيس نبيه بري، الساكت الغاضب عن هزيمة جزين خصوصاً ان الطعن كان من الشرق فيما ماكينته الانتخابية حضّرت للمواجهة من ناحية الغرب، فأجبرت معارك جزين أن يكون له كتلة نيابية خالية من المسيحيين لولا العناية الالهية التي أبقت على ميشال موسى رسولاً من طائفة الروم الملكيين.
يخطئ كثيراً من يعتقد أن الرئيس بري سينام على ضيم معارك الغدر في جزين، وهو لاعب ماهر، ينام وفي جعبته أوراق عديدة، ينتظر على الكوع وهو مدرك أن أوان الانتقام مهما طال زمانه سوف يحين، فالحليف الخصم بات الآن في قبضة من اخرج يوما من عاصمة الشلال.
فالرئيس نبيه بري أقلق كثيرا سكان الرابية من لقاءات الاربعاء المنتظمة في قصر بعبدا، وهم – سكان الرابية – يدركون انه لن يتورع عن وضع الحصة الوزارية الوازنة في سلة الرئاسة الاولى، لذا بادر عون هجوما غير مسبوق ضد الذين خسروا الانتخابات النيابية، وما يزيد الخشية في معسكر التيار الوطني هو مهارة رئيس المجلس بحيث يستطيع استنباط فذلكة الوزير الملك او اقناع المعارضة ان حصة الرئيس الوازنة هي ضرورة للحفاظ على الميثاقية، وما يضيف على العونيين هواجس هو التأييد المستمر لوليد جنبلاط في كل خطوة يقوم بها رئيس المجلس.
اما حزب الله فإن الأثمان التي دفعها سلفاً لحليفه كافية حتى يرضخ هذا الاخير لمندرجات الاتفاق الاقليمي، فاذا قرر الاقليميون تشكيلة 16 – 4 – 10 فان على الجميع السلام والقبول، ويكتفي المعترضون بتقسيم الحقائب السيادية والخدماتية، اما الذي يستمر رافضاً فان الاغطية كافة سوف تسحب عنه، ان كان في المعارضة ام في الموالاة فالاتي من الاقليمي اعظم من طموحات المحليين. عندئذ لن يجد المعترضون سوى معارضة الجميع سبيلاً… وهي هواية برع فيها الجنرال وأتباعه.
وهكذا استطاع بري من خلال حرف السين، ومن خلال المعادلة التي نادى بها السين – سين، ان يرد الصاع الذي هزمه به الجنرال في جزين بصاعين. فالسكاكين الجزينية لم تعد حتى الان الى غمدها.