ملاحظات هادفة في مسيرة تشكيل الحكومة
المحامي جورج ابو صعب
من متابعتنا اليومية لاخبار التشكيل والتأليف وللتصاريح والمواقف التي تصدر من هنا وهناك – تارة من موالاة همها الاول مد اليد وفتح القلوب والنفوس على الاخرين ومعارضة همها كيف تفرغ انتصار الاكثرية في الانتخابات النيابية الاخيرة من محتواها ومضمونها – نجد ان ثمة علامات شاذة وفارقة وفاقعة ربما يجدر بنا التوقف قليلا عندها للاضاءة عليها والتفكير بها .
اولا : ان التصرف العام لقوى ما يسمى اليوم بالمعارضة ( مع انها تستقتل للمشاركة في الحكومة وبالتالي تصبح موالاة ) يشعر المتتبع له بان المعارضة تتصرف وكأنها هي من ربح الانتخابات النيابية في 7 حزيران – فهي التي تفرض الشروط ومن تحت الطاولة او من فوقها احيانا تمرر رسائل التهديد الملطف والوعيد من ان حكومة اتحاد وطني يجب ان تتشكل من قوى المعارضة الى جانب قوى الموالاة والا تكون فاقدة لميثاقيتها – وصولا الى حديث الشيخ نعيم قاسم وقوله بان المعارضة مطمئنة الى وضعها – وفي ذلك شيء من الواقع وسوف نقول لماذا الان : ان المعارضة مطمئنة لانها تناور بارتياح ضمن فسحة الانفتاح واليد الممدودة التي اطلقتها الاكثرية غداة الانتخابات النيابية – فتستفيد من المواقف المعلنة من طرف الاكثرية لتحاول المعارضة وتحت شعار الانفتاح واليد الممدودة حصد اكبر قدر ممكن من الانتصارات السياسية الصغيرة لتعويض نفسها وجمهورها عن الهزيمة الكبرى التي منيت بها في 7 حزيران .
فمما لا شك فيه ان نوايا قيادات الاكثرية صادقة وهادفة في انفتاحها ومدها لليد ولكن السؤال الكبير يطرح عما اذا كان الطرف الاخر يمدها بالقدر اللازم وبالصفاء الذهني والقلبي نفسه ؟
طبعا لا – لان النائب سليمان فرنجيه لا يزال متمسكا بالثلث المعطل – ولان العماد ميشال عون ما زال متمسكا بالنسبية في الحكومة العتيدة ولان حزب الله يسعى لوضع الشروط على الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية لضمان سلاحه ومقاومته على طريقته وكيفما يراها هو وليس كل اللبنانيين – وبالامس يصرح مصدر فرنسي مسؤول بان العماد عون هو الاكثر تشددا واعتراضا على تشكيل الحكومة .
وبالتالي – نرى انه واذا كان المطلوب من الاكثرية مد اليد وفتح القلوب للمعارضة- وهو امر نؤيده ونؤازره – الا ان هذه السياسة الانفتاحية يجب ان لا تكون على حساب مصداقية انتصار الاكثرية ولا على حساب الصورة الظافرة
للاكثرية ولجمهور الاكثرية – فان ينحني القوي لسماع الضعيف لا يجب ان يعني ولن يعني بالتأكيد لوي رقبة القوي تحت ايدي الضعيف – وهذا ما يجب ان تفهمه المعارضة وهذا ما يجب ان تدركه القوى الاقليمية ولا سيما النظام السوري .
ثانيا : لا نفهم – لا بل لم نعد نفهم – ما الفرق بين مجلس نيابي منتخب وبين حكومة تتشكل من كل اطياف المجلس النيابي – لم نعد نفهم كيف سيكون بالامكان محاسبة حكومة في مجلس النواب هي الصورة المصغرة عن هذا المجلس بتوازناته وصفته التمثيلية .
فالحكومة التي يراد لها ان تمثل كافة القوى السياسية تحت شعار الوحدة الوطنية – ستتحول الى برلمان صغير – يعلب القرارات والقوانيين والمشاريع ويرسلها للمجلس النيابي للمصادقة كسلطة تصديق لا كسلطة محاسبة ومراقبة وتشريع .
فبعبارة اوضح – ان الاستمرار في منطق تشكيل حكومة تتشكل فيها كافة التيارات والاحزاب – سيؤدي لا محال الى تعطيل الحياة الدستورية والبرلمانية والديمقراطية ويعيدنا الى ممارسات نظام الوصاية في اختصار السلطات وتناسقها واستنساخها نفسها في كل المؤسسات – وهذا ما سيعيدنا ايضا الى نظام الترويكا والدويكا وسواها من بدع شبع اللبنانيون الطواقون الى دولة القانون والمؤسسات منها .
فاذا كانت الحكومة صورة مصغرة للمجلس النيابي – فهذا يعني ان المجلس النيابي سيعطل دوره – لان الحكومة التي تضم الجميع سوف تتحول الى طاولة حوار وندوة برلمانية – ما يتفق عليه الكبار في الحكومة يتبناه المجلس النيابي – فتنقلب ادوار المؤسسات – فتصبح الحكومة ثاني السلطات ومجلس النواب الذراع التنفيذي لقرارات الحكومة وبالتالي ثالث السلطات الدستورية .
فهذا النمط من التفكير في كيفية تشكيل الحكومة بحاجة الى اعادة نظر جذرية تعيد قواعد العمل الديمقراطي والبرلماني والدستوري الى سابق عهده – والى ما يجب ان تكون عليه .
ثالثا : يلاحظ ان السفارة السورية في بيروت في خضم هذه الهمروجة الاقليمية من الاتصالات ومبادرات الانفتاح العربية – العربية وتحديدا السورية – السعودية – واللبنانية – السورية وتنشيط حركة الموفدين والزائرين في الاتجاهين – تكاد تكون غائبة عن مسرح الاتصالات والاحداث وكأن السفير قد تم تحنيطه داخل جدران السفارة ليبقى صورة تذكر بعلاقات ديبلوماسية وافق عليها النظام السوري على مضض – وتذكر بالتالي اللبنانيين ان من له عادة في البدن لا يغيرها الا الكفن – وعادة النظام السوري عدم الاخذ بجدية لمسألة استقلال وسيادة لبنان وعروبته – وهذا ما لايزال يتفاعل لدى المسؤولين السوريين على اكثر من صعيد وفي اكثر من تصريح وموقف – اخرها الرسالة الديبلوماسية الشديدة اللهجة التي ارسلها النظام السوري الى الامين العام للامم المتحدة بان كي مون – وفيها تنتقد سوريا بشدة ما تعتبره تطفل الامين العام بتدخله في العلاقات بين لبنان وسوريا – وقد فاجأنا مثل هذا الموقف – علما ان سوريا دولة مؤسسة لمنظمة الامم المتحدة ودولة مؤسسة لجامعة الدول العربية – ولسواها من منظمات اقليمية ودولية – وهي تعرف تماما بموجب المواثيق التي قامت عليها منظمة الامم المتحدة – ان الامين العام بحكم وظيفته الاولى – مسؤول عن التوفيق بين الدول والشعوب بغية تأمين السلام والامن الدوليين وحل النزاعات سلميا – فمثل هذه الصلاحيات والسلطات الاممية يجب ان تمكن الامين العام – دون اي منة من أحد – لا بل واجبه هو – التمتع بها وممارسة دوره كاملا سيما وان العلاقات بين نصف لبنان (كي لا نقول اكثر ) وبين النظام السوري مرت بازمات شديدة في خلال السنوات الاربعة الاخيرة وتحديدا منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري – فلم نفهم ما الذي أزعج دمشق في مواقف وتصاريح الامين العام ؟
لا بل فهمنا ربما بعض خيوط هذا الموقف السلبي : موقف يعكس حالة الحرج والارباك التي يعانيها النظام السوري في وجه الضغوط الديبلوماسية الدولية والمبادرات الانفتاحية على سوريا من جانب الغرب والولايات المتحدة الاميركية ( مع استمرار الغزل بين الرئيس أوباما والسلطات السورية – والحديث المتزايد عن اعادة فتح السفارة الاميركية في دمشق او زيارة الرئيس الاميركي الى دمشق كما تحدث عنها الرئيس اوباما في احدى مقابلاته المتلفزة الاخيرة – الامر الذي لم يعد يترك لسوريا الكثير من هوامش المناورة والسلبية والمواجهة – خصوصا بعد ثناء الغرب وكلمة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الاخيرة عن سوريا والذي اشاد بتعاونها ووفائها بالتزاماتها للرئيس الفرنسي – فكلها عوامل ضغط مقلوبة على سوريا تجعلها غير قادرة على تجاهلها لانه بالنهاية تود الخروج من عزلتها السابقة ولوكلفها ذلك تراجعات استراتيجية وتكتيكية محددة يذهب ضحيتها رويدا رويدا حلفاء دمشق في لبنان وفلسطين وسواها – فسوريا لم " تفش خلقها " الا بالاضعف تأثيرا على الساحة العالمية الا وهو سعادة الامين العام.
فالنظام السوري أقام علاقات ديبلوماسية وعين سفيرا في بيروت – ولكن ما زال ينقص الخطوة معادلة اساسية : روح العلاقات ومبادئ تلك العلاقات – بحيث يجب على سوريا ( النظام ) ان تدرك مرة اخرى واخيرة على ان لبنان لم يعد محافظة من محافظات الجمهورية السورية – ما يعني ان لبنان باتت له شخصيته المستقلة والسيدة والحرة – وعلى النظام السوري الاعتياد على هذه الفكرة مرة نهائية .
ملاحظات نضعها بتصرف المعنيين وللحديث تتمة …