#adsense

من أين هبط التفاؤل ؟

حجم الخط

من أين هبط التفاؤل ؟

مع بداية الاسبوع الثالث لتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة جديدة، ترامى الى مسامع اللبنانيين في الساعات القليلة الماضية ما يبدو لوهلة وكأنه هدير المحركات استعداداً للانطلاق!
قيل إن الرئيس نبيه بري ضغط على البنزين وضاعف تحركه في اتجاه تسهيل مهمة الحريري، ووفق "خريطة طريق" يشاركه فيها الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط.

وقال المعاون السياسي للامين العام لـ"حزب الله" حسين الخليل: "إن قطار المفاوضات او المشاورات وضع على سكته الصحيحة. فالاستحقاق لبناني بامتياز والجهد يجب ان يكون لبنانياً…".

وقيل ايضا إن الوزير جبران باسيل شرح نظرية "النسبية" بكل الفواصل والارقام والنسب والكسور والقسمة والطرح والجمع، وان الرئيس المكلف استمع بعناية تمهيدا طبعا للدرس والتمحيص !
ولكن كل هذا لا يكفي لكي ينطلق قطار الحكومة العتيدة، وإن يكن جنبلاط قد خرج من الاجتماع مع بري ليقول: "وجدنا كل الجو الايجابي في موضوع تشكيل الحكومة (…)".

نعم، كل هذا لا يكفي. ربما لأن هناك الآن ما يستدعي ضخ هذه الموجة من الانعاش والتطمين، رغم ان الحريري لم يستهلك كل وقته ولا جهده في عملية تشكيل "حكومة تضم الجميع وتكون قادرة على العمل". واذا كان الحريري كما قال الرئيس فؤاد السنيورة قبل ايام انه يبزّه في الصبر، فليس لنا الا ان نصيح الآن: السلام عليك يا ايوب.

في اي حال، بدا الامر رأسا على عقب بعد تصريح جنبلاط في عين التينة وكلام الخليل في الرابية. فعلى حد علم اللبنانيين ان المسألة الحكومية مرتبطة بمعادلة "س – س"، اي سوريا – السعودية التي سبق ان اخترعها الرئيس بري الذي يبزّ كل اطباء البنج في المستشفيات اللبنانية عندما يطلق عادة راجمات التفاؤل العنقودي من عين التينة، فيخرج الناس في اثر هذا التفاؤل ويعودون غالبا مثل حُنين !

ولكن كلام جنبلاط والخليل اوضح صراحة ان المسألة مرتبطة بمعادلة "ل – ل" اي انها لبنانية – لبنانية، واكثر من هذا يرى جنبلاط "ان تشكيل الحكومة يفتح المجال بشكل عريض امام التضامن والمصالحة العربيين، او اللقاء السعودي – السوري الذي سينعكس ويزداد انعكاسه على لبنان".
هكذا بالحرف يا فتّاح يا عليم. لكأن التضامن العربي والمصالحة بين سوريا والسعودية باتا من النتائج الطبيعية والمرجوة لتفاهم اللبنانيين على تشكيل الحكومة !

ومن لا يصدق هذه النظرية، التي تبدو عكس السير بالنسبة الى الكثيرين، ليس عليه إلا ان يقرأ تعقيب الرئيس بري على تصريح جنبلاط فهو "مئة في المئة محور اللقاء بيننا ويعبر عن ايجابية".

طبعا هذا الكلام الذي يشبه هدير المحركات لا يعني بالضرورة انطلاق قطار الحكومة، ربما يعني ترييح المسافرين بالايحاء ان الرحلة قائمة، وربما يعني في السياسة ضخ موجة من ضباب التهدئة والتبنيج في رئات اللبنانيين واعصابهم، وفي مسار الموسم السياحي الصيفي المزدحم.

❑ ❑ ❑

واذا كان سعد الحريري يبزّ السنيورة في الصبر، فيبدو انه يبزه ايضا في الصمت والكتمان. لانه يعرف ان من يشتغل على الكيمياء الحكومية وسط هذا الواقع السياسي المعقد والدقيق، الذي راكمته الساحة اللبنانية منذ عام 2005، عليه ايضاً أن يعمل تحت وطأة التقاطعات الخارجية المحتملة على هذه الساحة وبينها:
مسألة السعي لاستعادة سوريا من ايران اذا صح التعبير وما يتطلبه هذا الامر من اثمان وفواتير تريد دمشق ان تحصل عليها ويشكل لبنان احد ابرز عناصرها.

وكذلك مسألة المحكمة الدولية والترقب الحذر لمضمون القرار الظني، الذي قد يصدر عنها قريبا، والذي قد تكون له انعكاسات داخلية عاصفة.
وايضا مسألة انخراط الادارة الاميركية في عملية التسوية التي قد تضع لبنان امام استحقاقات كبيرة وخطيرة، انطلاقا من اصرار حكومة بنيامين نتنياهو على اسقاط "حق العودة"، وهو ما سيطرح الوجود الفلسطيني في لبنان كاستحقاق ساخن ومقلق، اكثر مما هو عليه في اي من الدول الاخرى حيث الشتات الفلسطيني.

وسط هذه الخريطة من الاعباء المتشابكة والكبيرة والاحتمالات الثقيلة، يسعى الرئيس المكلف لابتداع صيغة تضمن حق الاكثرية في الحكم وحق المعارضة في المشاركة الفاعلة من دون تعطيل، وحق رئيس الجمهورية ميشال سليمان في الامساك بخيوط التوافق.

وعندما يحدد "حزب الله" شروطه وشروط المعارضة بين "سقف اعلى عنوانه المشاركة الفاعلة والمقررة، وحد ادنى عنوانه ألا يكون وزراؤها شهود زور او زيادة عدد"، فانه بذلك يدعو الحريري الى ابتكار "صيغة ضامنة" من خارج سياق "الثلث المعطل" المرفوض من الاكثرية شرط ان يكون لها مفعول التعطيل من خلال "الفعل والتقرير". ولذلك فإن "اليد الواحدة لا تصفق"، كما قال الحريري قبل يومين، و"لا خريطة لفك طلاسم شيطان التفاصيل"، كما يقول تلفزيون
"المنار".
اذاً، هل نحن أمام مجرد حقنة بنج يغرزها الدكتور بري ؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل