#adsense

تعددت الأسماء والتعطيل واحد

حجم الخط

بين "الشراكة الحقيقية" و"النسبية" و"الثلث المعطل"
تعددت الأسماء والتعطيل واحد

بين ثابتتين يراوح جهد رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري في تشكيل حكومته العتيدة، فلا اعتذار عن عدم التشكيل أياً تكن الاشتراطات والعراقيل والصعوبات، ولا حكومة لا تعكس نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة بما هي استحقاق ديموقراطي يبنى عليه دستورياً، وبالتالي فإن الرئيس المكلف، بحسب أوساط متابعة، ليس في وارد العزوف عن الاستمرار في مساعيه واتصالاته المستمرة بمختلف الأطراف ولاسيما مع 8 آذار، لبلورة التشكيلة الحكومية، كما أنه ليس بوارد تجاوز التفويض الشعبي والسياسي الذي أعطي له في 7 حزيران الماضي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد دخول التكليف أسبوعه الثالث، هو الى متى ستستمر حال المراوحة، وما هي العقد التي تحول دون التأليف، وهل هي نتاج داخلي محض أم بدفع خارجي؟

في تقدير هذه الأوساط، أن الرئيس الحريري "مستعجل لكنه غير متسرع. هو مستعجل لانجاز تأليف حكومة تتولى متابعة الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الضاغطة، لكن من دون تسرّع ينتج حكومة تكتفي بجمع الأضداد والأطراف المتخاصمة ضمن حكومة واحدة مع ما ينتج عن هذا الأمر من مخاطر تعريض للسلطة التنفيذية لأسر الابتزاز والتعطيل وبذور الشقاق الوطني"، وتلفت هذه الأوساط، الى أن "العرقلة الأساسية، وبالرغم مما يشاع ويروج عن تدخل خارجي، هي داخلية، وتتمثل باصرار قوى الأقلية على امتلاك الثلث المعطل داخل الحكومة، وان تفننت في ابتكار العناوين والمسميات له".

الأقلية وعشق التعطيل

قبل نحو أربعة أشهر، وفي معرض استشرافه لفوز قوى 8 آذار في الانتخابات النيابية، خيّر الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله فريق 14 آذار بين أن يقبل بـ"أخذ" ما يسمى "الثلث المعطّل" في "حكومة وحدة وطنية" تشكّلها المعارضة التي ستغدو أكثرية ـ وهذا لم يحصل ـ وبين الرضوخ لحكومة تشكّلها المعارضة لوحدها "إضطراراً"، ثم عاد وقال في مناسبة ثانية ان "الأكثرية البرلمانية لا تعني بالضرورة الأكثرية الشعبية وذلك نتيجة للنظام الطائفي". ومع أنه لم يتطرّق وقتها ولو كاحتمال نظري إلى إمكانية فوز 14 آذار بالأكثرية، فقد كان واضحاً أنه يريد توجيه رسالة سياسية مفادها أن "حزب الله" ومن معه يريدون "الثلث المعطّل"، ومسبقاً أيضاً، على إعتبار أن لا مجال أمامَهم لتحصيل الأكثرية النيابية، وهذا ما حصل فعلاً بنتيجة يوم 7 حزيران.

خطورة الموضوع الذي يعود "حزب الله" الى طرحه اليوم تحت عناوين "الشراكة الحقيقية"، أنه يعني تكريساً للهرطقة الدستورية التي فرضتها 8 آذار بعد أحداث 7 أيار الشهيرة، وما يمثله ذلك من مخالفة صريحة للأصول الدستورية، ومقتضيات العمل السياسي، وأكثر من ذلك يفهم منه أن عدم تأمين هذا الشرط يمكن ان يخلط الأوراق الداخلية أو يعيد انتاج ظروف 7 أيار جديد، دون أي اعتبار لنتائج الانتخابات.

وتأسيساً على ذلك، فإن "الشراكة الحقيقية" لا تتحقق عملياً عند "حزب الله" إلا إذا كان له مع حلفائه في الحكومة الثلث المعطل، فعشرة وزراء في الحكومة لا يحققون الشراكة، بل الوزير الحادي عشر هو ما يجعلها "حقيقية"، وهو ما يسمح للأقلية النيابية ان تكرس مكسباً حققته في اتفاق الدوحة على خلفية 7 أيار بحيث يتحول عرفاً دائماً مناقضاً لما ورد في اتفاق الطائف. مع أن تجربة حكومة ما بعد الدوحة لا تزال ماثلة وشاهدة، وقد أظهرت في الداخل وأمام الخارج أن هذا الثلث كان معطلاً أكثر منه "ضامنا"، اذ استخدم بإسراف على نحو أساء الى شعارات المطالبة به، أي حماية القرارات الوطنية والمصيرية ليتحول أداة مناكفة وتعطيل ليس الا، وباتت الأقلية تتحمل مسؤولية التعطيل اكثر مما تتحمل الأكثرية مسؤولية الحكم، وأكثر من ذلك، ان تكرار هذه التجربة يهدد بايجاد "موطئ قدم" لأطراف خارجية تريد إعادة تأثيرها على الوضع اللبناني وفرض املاءاتها وتدخلاتها من جديد.

الضمانات بديلاً ؟

في المقابل، ثمة من يرى أن "حزب الله" يريد "ضمانات"، أكثر مما يهدف الى امتلاك "الثلث المعطل"، بمعنى عدم التعرض لسلاحه، وبالتالي فان مقاربته للمسألة تنطلق من اعتبارات سياسية ومبدئية وليست دستورية.
لكن هذا التبرير، وفقاً لهؤلاء، لا يستقيم سبباً للعرقلة، فالرئيس المكلف سبق وأن صرّح أكثر من مرة أن هذا الملف مفتوح على طاولة الحوار وأن أي قرار بشأنه لا يمكن أن يتخذ إلا بالتوافق. ثم إن "حزب الله" يعرف أكثر من غيره أن أحداً من الأطراف الداخلية لم يطرح خلال السنوات الماضية نزع هذا السلاح بالقوة، والحال أن أحداً لا يستطيع هذا الأمر، إلا إذا كان يعني بالضمانات أموراً معينة تتعلق بالاستراتيجية الدفاعية أو غيرها من الملفات شديدة الحساسية والتي تتعدى الاطار المحلي كالمحكمة الدولية مثلا؟

وأكثر من ذلك، ان الحديث عن مبدأ الضمانات، إلى كونه يناقض الأسس العامة لقيام الدولة التي هي مرجعية جميع الأطراف والضامنة لهم، يتوجه الى "حزب الله" قبل غيره، على اعتبار أنه استخدم هذا السلاح في الداخل سابقاً، وعليه أن يؤكد تعهده بعدم استخدامه مجدداً، بل وأن يقرن ذلك بالعمل على تعزيز سيادة الدولة وقواها العسكرية والأمنية.

النسبية .. والاحتيال اللفظي

أما مفهوم النسبية الذي يرفعه زعيم "التيار الوطني الحر" ميشال عون، فقد نأى بمطالب الأقلية عن موضوع الثلث المعطل الى أمر آخر جديد. فإلى كونه مرونة لفظية تخفي توجهاً ضد موقع رئيس الجمهورية، يريد عون بموجبه 7 وزراء في الحكومة كون كتلته النيابية تضم 27 نائبا (مع أن النسبة الحقيقة هي 6،3 وليس 7)، وبموجبه أيضاً يحصل "حزب الله" و"أمل" على 7 وزراء أيضاً، أي ما مجموعه 14 وزيراً إذا أريد استنساخ مجلس النواب في حكومة ثلاثينية، مع أن قراءة دقيقة لنتائج الانتخابات وخارطة توزع القوى السياسية والطائفية تحيل إلى غير هذه النتيجة.

وفي تحليل جدير بالانتباه، فصّل عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار حوري ("المستقبل" 14 تموز2009) حسابياً وبالأرقام أن مفهوم النسبية حال اعتماده كمعيار في تشكيل الحكومة مع مراعاة حصة رئيس الجمهوري يعطي الأكثرية 16 وزيراً، والأقلية 8 وزراء فيما يبقى للرئيس 6 وزراء.

الحريري وإعادة التأسيس

من نافل القول ان مهمة الرئيس المكلف تبدو أشبه بإعادة تأسيس للعملية السياسية من خلال إعادة الاعتبار للدستور والطائف، وقد سبق للرئيس الحريري أن حدد المشاركة بأنها تلك التي لا تشمل التعطيل.. وإلا فالتزام مقتضيات العمل الديموقراطي والمحافظة على الأصول الدستورية في الحكم، وهو يعتبر أن الشرط الوحيد الذي يُلزمه والأكثرية، وطنياً ودستورياً، هو أن يكون تشكيل الحكومة منسجماً مع ميثاق العيش المشترك، بمعنى أن تتمثل فيها أطياف الاجتماع اللبناني، السياسي والطائفي والمذهبي كافة، ومن غير الجائز القبول بعد الإنتخابات النيابية، تمسكاً منه باتفاق الطائف والدستور، تكريس الاستثناء ـ البدعة الذي مثله اتفاق الدوحة في ظروف سياسية إستثنائية.

فالثلث المعطل يطرح إشكاليات أخرى تتعدى لا دستوريته وفشل هذه التجربة على المستوى العملي، كونه يعوق قيام الدولة القوية وينعكس سلباً على العيش المشترك والوحدة الداخلية وعلى ازدهار البلاد وتقدمها، والتجربة القائمة خير شاهد على أن حصول أي فريق سياسي عليه سيجعله هو الحاكم وليس الأكثرية.

وبانتظار كلام كثير عن تسهيل مهمة الرئيس الكلف وإعادة حسابات إقليمية ستنعكس ايجاباً في لبنان، يبقى أن شكل الحكومة واسمها ومكوناتها، ليس هو الأساس بل الاتفاق على برنامج واحد للحكم وإدارة الشأن العام تحت سقف مرجعية الدولة ورعايتها في محيط متسارع التحرك والتغير.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل