الثنائية الشيعية تقيم تطابقاً بينها وبين الطائفة ما يجعل "الإئتلاف" معها اضطرارياً ومطالبتها بـ"الثلث المعطّل" عبثيّة
"التسكير" السياسي الشيعي و"أزمة الكربجة" في آليّات النظام
ثمّة، في قراءة هادئة وموضوعية للإنتخابات النيابية الأخيرة ونتائجها، جانب مهم و"خطير" لم يجرِ تسليطُ الضوء عليه بما يكفي حتى الآن. وهذا الجانب هو أن "حزب الله" خصوصاً ومعه "حركة أمل" خاضا إنتخابات 7 حزيران الماضي بين حدّين. الحدّ الأقصى أن يحرزا مع سائر حلفائهما ولا سيما الحليف العوني الغالبية النيابية. أما الحدّ الأدنى فهو النجاح في "إغلاق" التمثيل السياسي الشيعي لمصلحتهما.. أي تحصين ما يُمكن تسميته "خطّ الدفاع الشيعي".
"خطّ الدفاع الشيعي" في الإنتخابات الأخيرة
والآن، إذا كان فريق 8 آذار فشل بالفعل في تحقيق الغالبية النيابية، فإن "الثنائية" الشيعية نجحت، بصرف النظر عن مشروعيّة الوسائل، في "تسكير" الوضع السياسي الشيعي، بل دلّت خُطب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بعد الإنتخابات على ان "خطّ الدفاع الشيعي" يكتسبُ أهمية إستثنائية بالنسبة إليه، ومن "خطّ الدفاع" هذا طعن بـ"شيعية" ثلاثة نواب شيعة داخل فريق الأكثرية هم النواب غازي يوسف في بيروت وعقاب صقر في زحلة وأمين وهبي في البقاع الغربي، بدعوى أن التصويت الشيعي الذي حازوا عليه في دوائرهم كان منخفضاً. وهو المقياس الذي لو جرى إعتماده، أي مقياس أصوات كل مرشّح في طائفته، لأمكن إعتبار عدد كبير من النواب المسيحيين في دوائر جبل لبنان ساقطين لأنهم فازوا بأصوات غير أصوات طوائفهم.
"التسكير" والتطابق بين الطائفة وحزبها
إن نجاح الثنائية الشيعية ـ و"حزب الله" على نحو خاص ـ في "تسكير" الطائفة الشيعية، ذو إنعكاسات "بالغة" على الوضع اللبناني يقتضي تفحّصها.
الإنعكاس الأول هو أن "التسكير" من شأنه أن يجعل كل خلاف أو صراع مع الثنائية، لا سيما مع "حزب الله"، خلافاً أو صراعاً مع الطائفة الشيعية ككل، ومن شأنه أن يجعل من إتهام "مواطن شيعي ما" بجريمة ما إتهاماً للطائفة ككل.. وللثنائية السياسية بطبيعة الحال.
والإنعكاس الثاني ـ النتيجة ـ هو أن "التسكير" يضرب في الصميم مجمل "فلسفة" إتفاق الطائف، والتي تقوم على الفصل بين الطائفة ـ أيُّ طائفة ـ و"حزب الطائفة" أو أحزابها، ويضرب في الصميم الديناميات التي كان إتفاق الطائف ولا يزال يتطلّبها، أي ديناميات التعدّد والإختلاط نحو قيام "الدولة المدنية". أي أن هذا "التسكير" يضع أمام إتفاق الطائف وفلسفته معطى "سياسياً" كبيراً يناقضه تماماً. وإذّاك يغدو "النقاش" حول تطبيق الطائف بإتجاه بناء الدولة محاطاً بـ"عامل سياسي" ـ أي بـ"واقع" أو "أمر واقع" سياسي ـ مناقض لمساراته.
"الكربجة".. الى إشعار آخر
والإنعكاس الثالث، هو أن "التسكير" يؤدي فعلياً الى نوع من "كربجة" للنظام السياسي ولآلياته. ويجب الاعتراف هنا بأن الوضع اللبناني في السنوات الماضية، وبعد إنتخابات 7 حزيران، يواجه "أزمة كربجة" على مستوى النظام السياسي، من مدخل "الإشكالية الشيعية" المشار إليها خصوصاً. وذلك ما يجعل الثنائية الشيعية، و"حزب الله" تحديداً، في وضع القدرة على إعتبار "أزمة الكربجة" أزمة نظام في حد ذاتها، تأسيساً متدرّجاً لعوامل ضاغطة بإتجاه "تغيير النظام".
في ظل التطابق "المفروض" واقعياً بين الطائفة و"حزب الطائفة" من جهة وما يؤدي إليه من "كربجة" للنظام السياسي من جهة ثانية، من الواضح أن تشكيل الحكومة أمام أمر واقع.. أمام "معضلة" أمر واقع.
"حكومة أكثرية" مجرّد خيار "نظري"
"نظرياً" كان يمكن لفريق 14 آذار، أي للغالبية النيابية المتجددة، أن يشكل "حكومة أكثرية" تضمّ في صفوفها "شيعة 14 آذار"، لكن سياسياً ـ أي واقعياً ـ ليس هذا الخيار فعلياً. بمعنى آخر، إن الترجمة السياسية لـ"أزمة الكربجة" المنوّه عنها آنفاً هي "إضطرار" الأكثرية النيابية الى تشكيل حكومة "إئتلافية" مع "الواقع السياسي الشيعي" تأميناً لمشاركة شيعية في هذه الحكومة. وبالمناسبة، فإن الكلام عن "حكومة إئتلافية" أدقّ فكرياً وسياسياً من الكلام عن "حكومة وحدة وطنية". ذلك أن "الوحدة الوطنية" تتعلق بتمثيل الطوائف في حين أن "الإئتلاف" يتعلق بأحزاب وقوى سياسية.
سلاحان مع "حزب الله"
والحال أن قيام حكومة إئتلافية تضمّ عن الطائفة الشيعية وزراء للثنائية السياسية، يجعل إستمرار هذه الحكومة "ميثاقية" مرهوناً ببقاء وزراء الثنائية فيها، وذلك من ضمن معطيات الواقع السياسي الشيعي القائم. أي أن وزراء الثنائية يملكون سلفاً ما هو أكثر من "الثلث المعطّل" للقرارات السياسية إذ يملكون حتى من دون "ثلث معطّل" ـ لا يستطيعون الحصول عليه لوحدهم بإسم الشيعة ـ إمكان "النقض"، أي الطعن بميثاقية حكومة لا يشاركون فيها أو يستقيلون من المشاركة فيها. أي أن "الواقع السياسي" هنا أقوى من "النصّ" فعلياً.
تأسيساً على ما تقدم، ومع صحّة التأكيد بإستمرار أن "الثلث المعطّل" غير دستوري، وغير ميثاقي "نصاً"، فإن "الواقع السياسي" يضغط على عملية تشكيل الحكومة. وبكلام آخر، في يد "حزب الله" سلاح "سياسي" هو "التسكير" الشيعي القائم، فكيف إذا كان يملك الى جانب هذا السلاح السياسي السلاح أيضاً؟
توجّهان عبثيّان أحدهما "الثلث المعطّل"
وواقع الأمر أن المقدّمات الآنفة جميعاً تهدف الى قول الآتي: إن ثمة "أزمة كربجة" على صعيد آليات النظام السياسي، يصبح معها "عبثياً" إعتقاد 14 آذار أن بالإمكان الفكاك من "الإئتلاف" مع الثنائية الشيعية و"حزب الله" بالخصوص من جهة وتصبح معها "عبثية" أيضاً مطالبة الثنائية بإسم 8 آذار بـ"الثلث المعطّل" طالما أن في يدها سلاحاً أقوى من جهة أخرى.
ولعلّ هذه "الحقيقة" تكون "سبباً" كافياً لتسريع عملية تأليف الحكومة التي أعلن رئيسها سعد الحريري أنه يريدها إئتلافية منذ اللحظة الأولى لتكليفه.. من دون "ثلث معطّل رقمي".
على أن تسجيل ذلك، ينبغي ألاّ يقود من يعترض على الواقع القائم شيعياً الى التسليم به. فقيام الحكومة الإئتلافية من ضمن الواقع القائم هو إلتفافٌ على الأزمة، أي أنه من ضمن "أزمة الكربجة" الناجمة عن "التسكير" الشيعي السياسي. في حين يبقى المطلوب التفكير بمواجهة الأزمة نفسها، أي التقدم على طريق معطيات "سياسية" مغايرة، بما أن ما يعيق تطبيق "فلسفة" الطائف هو معطيات "سياسية". أي خلق وقائع سياسية تجعل "النصّ" قابلاً للتطبيق.