نحو حكومة دولة غير مؤجلة!
عندما يكون من اعتقاد أقلية انتخابية ان تحكم أكثرية انتخابية (شعبية)، فيعني أنَّ خللاً بنيوياً وعضوياً يشوب العقل والنفوس والأبنية السياسية والاجتماعية، والأغرب سوريالية عندما "تريد أقلية ان تغلّف مسلكها بشعار حكومة "وحدة وطنية" كأنها تعني أن الوحدة الوطنية لا تقوم الاّ بتنازل الأكثرية عن انتصارها في الانتخابات، واحتلال الأكثرية "كرسي" الحكم؛ والأغرب عندما تجمع الأقلية إلى شعارها "الوحدوي" الوطني آخر عن حقها في المشاركة. وهنا لا تعني المشاركة الأقلوية. إلاّ ما تعنيه "الوحدوية": استئثار الأقلية وإلغاء المشاركة، أي قلب المعادلة الطبيعية للأمور على حساب معادلة غير طبيعية فتكافأ هذه الفئة بخسارة مُنتصِرة والأخرى تعاقب على انتصارها. اكثر: على هذه الفئة المهزومة أن تقبض ثمن هزيمتها وكأنها ظفرت الظفر المبين وعلى الفئة المنتصرة ان تدفع ثمن انتصارها وكأنها لحقت بها هزيمة نكراء، والأغرب ايضاً ان يُغلّف هؤلاء المتقهقرون شعبياً تقهقرهم بشروط "نظرية" ومقولات عابثة بالمنطق والأصول والتقاليد والأعراف كمثل "الديموقراطية التوافقية" ليصل تفكيرهم هذا إلى حدود التعميم ليروا أن لبنان لا يمكن أن يقوم إلاّ على "الديموقراطية التوافقية"…
المستعصية، لكن هل تصلح بعد انتخابات ديموقراطية غير توافقية أسفرت عن فوز فريق وخسران آخر؛ اذ كان يجب، لكي تكون "الديموقراطية توافقية" في الحكومة وفي مجلس النواب، ان تكون قبل ذلك توافقية في الانتخابات وفي النظر إلى الأمور المصيرية. اذ كيف يمكن ان تؤدي منافسة ديموقراطية بين فريقين إلى توافقية "ديموقراطية". ونظن أن هذه الهشاشة في "الأطروحات" التي يشارك في وضعها بعض "المنظرين" غير الجدد ومنهم من برّر اثناء حروب العقود الأربعة المجازر والقتل والتقسيم والكانتونية الطائفية بنظريات هي أقرب إلى القتل منها إلى التفكير: فأدوات هؤلاء الفكرية لم تشحذ يوماً إلاّ لتغطية تدمير البلد والناس ووجود الوصايات.
ومن يَتّبع الشريط "الذهب" للمفجوعين في هزيمتهم يَجدْ وبلا عناء، ان كل "الطقوس" و"الشعائر" السياسية التي يشهرها هؤلاء كشروط في "المشاركة" في الحكومة لا تختصر في "الثلث المعطل" ولا في "المشاركة الحقيقية" (كما يقولون) ولا في "الضمانات" التي يتوسلونها (ومن يضمن للبنانيين غدهم بوجود هذا السلاح غير الشرعي المفلت في جهات الوطن الأربع) ولا في أي قولة اخرى فقط، بل في تعبير هؤلاء عن ضعف "شعبي" تجلى في تراجعهم الانتخابي، يجعلهم من جهة يلجأون إلى التعويض بالهيمنة الأقلوية، ويجعلهم من جهة أخرى يرتمون أكثر فأكثر في أحضان الخارج، بحيث ضاقت المسافة بين "هامش مناورة مسموح به لهم" وبين امحاء كلي في ارادة الآخر: حتى الهامش الضيّق كأنه فُقِد.. وكأنّ الخارج المعروف المجهول المبين، فقد ثقته بهؤلاء الذين وعدوه قبل الاستحقاق الانتخابي بفوز مُبين ولكن خابت ظنون الخارج المأمول… أمام واقع الداخل المتبول.
ولو راجعنا بهدوء الشريط الممتد منذ ما قبل تكليف الشيخ سعد الحريري إلى الآن نكتشف إلى أي حد غيّرت رموز الأقلية مواقفها: فمن تأييد كاسح للرئيس المكلف (قبل التكليف) إلى شروط كاداء بعده، فكأنما اعتبروا انهم نصبوا فخاً للرئيس المكلف، باستدراجه الى قبول نتائج الاستشارات (بعضهم تراجع عن التأييد وسبق أن أيد: (كلام الرجال ملح الرجال!) ومن ثم "استفراده" بمحاصرته بالشروط: تحت الشعارات التي أوردنا بعضها: فمن: مَن الذي يضمن سلاح المقاومة! إلى من يضمن الثلث المعطل.. إلى من يضمن الوحدة الوطنية (وحدتهم!)، إلى "النسبية".. هذه البدعة "الطوبوغرافية" التي تليق بالمظفرين دون سواهم؛ وذلك عبر توزيع الأدوار بين "الفرقاء": فالذي يطرح النسبية يعني الثلث المعطل، ومن يطرح "المشاركة" الوطنية يعني ضمناً النسبية، ومن يطرح التوافقية الديموقراطية يعني ضمان استئثار الأقلية؟ أي كل هذه الجُمل المجازية لا تؤدي سوى معنى واحد: السلطة! نريد ان تكون الحكومة ولا تكون. نريد ان تبقى الحكومة على حافة هاوية: لا هي في الهاوية ولا هي في بر الأمان. يعني نريد ما يُعطل الحياة السياسية ويفرمل كل خطة اقتصادية ويترك الأمور هكذا كما كانت معلقة على حبال من الهواء: فلا حوار حول سلاح المقاومة.
ولا حوار حول السلاح غير الشرعي خارج الميليشيات "المقنعة" ولا تكريس اتفاق حول المحكمة (هل هي بيت القصيد!)، ولا حوار حول قرار الحرب والسلم: في يد الشعب الممثل بالدولة والسلطة أم في أيد خارجية ولا اتفاق حول الاستراتيجية الدفاعية ولا حتى التفاف فعلي حول الدولة والجيش وقوى الأمن والشرعية المنتخبة عموماًّ! لا شيء! فالخارج، يريد ان يبقي كل شيء معلقاً ومؤجلاً ليقول للعالم في ما يشبه الرسائل المشفرة: لنا الأمر اليومي برغم الانتخابات ولنا القرار:
عال! هذا ما يعنيه ويحتسبه بعض الداخل: تجاوز الواقع إلى ما فوق الواقع! اذاً: ما العمل ازاء هذه الاندفاعات المستميتة لمن قَبِل نتائج الانتخابات ولا يقبل بشروطها. ما العمل؟ انه السؤال الأصعب المطروح على الأكثرية المكرسة والواقعية (لا الوهمية) وتالياً المطروح على الرئيس المكلف. هل يقدمون انتصارهم وارادة الناس الذين محضوهم الثقة وانتخبوهم برغم كل شيء، الى الخاسرين. هل يتراجعون عن بعض برامج عملهم الانتخابية، تحت شعار انهم "أم الصبي" الحقيقيون؟ هل يقبلون "الثلث المعطل" او يتخلون عن بعض الوزارات الأساسية أم عن شعار "الحكومة لتحكم" حقناً للأزمات هل يمكن أن يتراجعوا تحت ضغط "المتغيرات" الخارجية (الأحداث الايرانية، التقارب السوري- الأميركي المبارك، المسألة النووية في ايران، وكذلك "احتمالات عدوان صهيوني على الدولة الفارسية على طريقة ما جرى في العراق والمفاعل النووي وفي سوريا مؤخراً!).
انها أسئلة لم تكن واردة قبل انتفاضة 14 آذار لأن البلد كله كان ثُلثاً معطلاً بأيدي الوصايات المتعاقبة وميليشياتها؛ ولأن البلد كله كان يفتقد القرار الذاتي، ولأن البلد كله كان ممنوعاً عليه التعبير الديموقراطي وبناء مؤسساته الفاعلة؛ ولأن البلد كله كان ممهوراً بتواقيع الخارج؛ ولأن البلد كله كان محرماً عليه وجود معارضة شعبية أو سياسية. أما اليوم، وبمجرد تلمس ديموقراطية ما مكتسبة من ملامح سيادية او استقلالية (الوصايات كانت تعني الدكتاتوريات!) بات عندنا ما كان "مغيباً": الحياة السياسية بمعناها التعددي (وكانت الوصايات الأحادية على شعوبها تفرض أحادية علينا!) وبمعناها المجتمعي المدني بأدواته الشتى! فهل يريدون ارجاع كل شيء الى "سابق عهودهم!"؟ أي هل يريدون حقاً تعطيل كل ما تمّ انجازه في السنوات الأربع الماضية والعودة إلى "نقطتهم" الصفر او إلى "أصفارهم" العبثية التي تريد كسر مفهوم لبنان الوطن والمواطنية إلى لبنان الساحة والمنصة ومجرد الرقم.
أتراهم يريدون تسهيل مهمة الرئيس المكلف فعلاًَ كما يصرح بعضهم، ام انهم مصرون على تعقيد هذا الاستحقاق الحكومي (ولم يُعقّد استحقاق انتخاب نبيه بري رئيساً للبرلمان!) ام أن في خطواتهم يوحي دواهي أكبر تتصل بأزمة المنطقة كلها، او على الأقل بعض العلاقات والتقاربات وطبول الحرب التي يقرعها العدو الصهيوني! كل هذا وارد. ولكن هل نسمح لأنفسنا بأن يكون لدينا ما نطالب به الجميع وخصوصاً الأقلية: إلى متى سيبقى هذا البلد رهينة التناقضات الخارجية! الى متى سيبقى هذا الشعب واضعاَ يده على قلبه كلما دب خلاف بين دولة وأخرى، او كلما تمّ تقارب بين دولة وأخرى، او كلما تهددت دولة بعدوان أو بحرب، أو كلما ارادت جبهة خارجية ان تغطي هزائمها الداخلية والعسكرية والاقتصادية باشعال فتن في لبنان!
إلى متى سيبقى هذا الوطن "مؤجلاً" بقوة السلاح والمحاصرة؟ إلى متى سنبقى "اوفياء" لمصالح الخارج بدلاً من أن نكون أوفيا للبلد! إلى متى، ومن أجل لا نعرف من علينا أن نعلّق احلامنا على مشاجب المرتهنين، وكأنهم في محاولتهم تحقيق "احلام" الغير، يقضون على احلامنا!
هذه الحكومة اذا تألفت بالشروط الدنيا للديموقراطية، فيعني اننا نسلك الطريق الصحيح. هذه الحكومة اذا سلّم الجميع بأنها حكومة فعلاً أي حكومة لتحكم بقواها المشتركة فيعني ان شرطاً لا بأس به قد قطع في درب استعادة البلد. واذا ارادوا ان يُعطوا شعاراتهم معاني وطنية فيمكن ان تتحول "الوحدة الوطنية" في الحكومة إلى وحدة تنوعات متآزرة تعمل يداً واحدة. واذا ارادوا ان تتحول "التوافقية الديموقراطية" تعبيراً عن تعددية خصبة فعليهم ان يحترموا الآخر اي آخر ويروا في التوافقية انتصاراً والديموقراطية لا هزيمة لها. واذا ارادوا ان يكون للثلث المعطل مفهوم "الضامن" فعليهم ان يستعيدوا ثقة الناس: فهناك الثلث الضامن والمعطل.. واذا ارادوا فعلاً جعل الاستحقاق "لبنانياً" فعليهم قبل كل شيء إعادة النظر بأي مرجعية تفرض شروطها عبرهم. واذا كانوا يصرون على مبدأ "لبنانية الحل" فيعني ان عليهم ان يعتبروا ان "لبنان أولاً" يبدأ باشهار القيم الخاصة الطبيعية والمكتسبة للبنان: من الديموقراطية، إلى السيادة، إلى الاستقلال، إلى حرية التعبير، إلى التعددية، فإلى العروبة بمعانيها الانسانية والسياسية الديموقراطية وهذا هو معنى "لبنان أولاً" بالنسبة إلينا.
فلماذا لا تجعل الأقلية، وبحسب نواياها البيضاء المعلنة بتسهيل تأليف الحكومة، هذه المهمة لتنضم إلى ناسها: ليس ناسها في هذا المكان المعين أو ذاك، بل في كل لبنان: كل لبنان هو ناس المقاومة اذا اقتنع وكل لبنان هو ناس الممانعة لكن بشروطه وظروفه وكل لبنان هو ناس المشاركة الكلية لا المشاركة هنا والاستئثار هناك. وكل لبنان هو حقل للتغيير ولكن ليس بقوة السلاح ولا بالحروب العبثية. لا بأشكال الاعتداءات والتهديد: اذ كيف يُراد للناس ان يغيروا قناعاتهم تحت التهديد بالسلاح! وكل لبنان يمكن ان يكون "ثلثاً معطلاً" لكن في وجه المعطلين، وفي وجه الرافضين لقيام الدولة… وفي وجه اسرائيل!
فلماذا لا يكون لبنان وفي هذه المناسبة الحكومية ساحة خصبة للبنانيين كله من اقصاه إلى أقصاه، بدلاً من أن يبقى ساحة للآخرين ومنصة لكل الذين يتكلمون باسم الأنظمة التي تريد ان تحارب مَنْ تحارب على ارضنا… لتبعد المواجهة عن أرضها تحسيناً لشروط "الحماية" وتعطيلاً لكل امكانية حلم باسترجاع هذه الأرض السليبة او تلك!
كأنها الدعوة المستحيلة هذه؟ الدعوة التي من الصعب ان تستجاب؟ بل كأنها الدعوة التي قد تقابل بالتشهير والتخوين باعتبار ان احترام قرار اللبنانيين إما هو نوع من "الانعزالية" (الجماعية) ام نوع من العداء للعروبة. وبالمناسبة نستحضر هنا مفارقة طريفة وهي ان ما كان يسمى "الفريق الوطني" أو "الحركة الوطنية" المؤلفة من بعض الأحزاب القومية واليسارية أيام حروب العقود الماضية رفع شعار "عروبة لبنان" في وجه "الانعزالية" المتمثلة في رأيهم آنئذ بالجبهة اللبنانية أو بتجمع الأحزاب اليمينية المسيحية وسواها.
المفارقة أن معظم مكونات الذين رفعوا شعار "العروبة اولاً" كانت ايديولوجيتهم غير عروبية من الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الحزب الشيوعي فإلى منظمة العمل الشيوعي. مع هذا كانت المعركة ولأنها تمحورت حول القضية الفلسطينية عروبية بامتياز.. وان بشعارات مموهة احياناً!
ولهذا من الصعب الكلام على لبنانية المعركة باعتبارها ضد العروبة: فالعروبة أولاً ليست سوى "لبنان أولاً" عندما يكون لها ان تحتسب القيم الحضارية والديموقراطية والتعددية والاستقلالية والانفتاح…