تحالف قوى 8 آذار محكوم بتسهيل مهمة الحريري أو استمرار السنيورة بتصريف الأعمال
هامش التعطيل محدود ولن ينفع في تجاوز نتائج الانتخابات النيابية
<شروط المعارضة تهدف إلى تفريغ نتائج الانتخابات وتكريس صيغة تحكّم الأقلية بالأكثرية انطلاقاً من الثلث المعطل>
كان معظم اللبنانيين يأمل بأن تتم عملية تأليف الحكومة الجديدة بسرعة تتويجاً لما أسفرت عنه نتائج الانتخابات النيابية، ولتكريس أجواء الانفتاح وسياسة مد الأيادي وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين جميع الأطراف اللبنانيين التي أعلن عنها رئيس الحكومة المُكلّف سعد الحريري بعد الإعلان عن فوز تحالف قوى 14 آذار بهذه الانتخابات مباشرة.
ومع أن المهلة المتاحة لرئيس الحكومة المكلف لتأليف الحكومة الجديدة، لا تزال ضمن الوقت الطبيعي في ظل الظروف الاستثنائية والمعقدة التي يمر بها لبنان والمنطقة عموماً، الا ان الشروط والعقبات التي تضعها قوى الثامن من آذار في طريق تشكيل الحكومة العتيدة في انتظار ما ستؤول إليه المصالحات العربية – العربية، التي تأخذ وقتها، بالرغم من انطلاقتها ومسارها الايجابي على المسار السعودي – السوري، في حين انها لا تزال متعسرة على المسار المصري – السوري، كما يبدو من خلال المشهد السياسي الحاصل واحتمال انعكاس هذا الخلاف على الواقع اللبناني بشكل أو بآخر، فان تحالف قوى الثامن من آذار يسعى من خلال هذه الشروط، واستغلال الوقت الفاصل الى تحقيق أمرين اثنين:
الأوّل: تفريغ نتائج الانتخابات النيابية من مضمونها، واظهار فوز الأكثرية وكأنه ليس مؤثراً على الواقع السياسي، بل يشكل استمراراً للواقع السياسي الذي كان قائماً في السنوات الأربع الماضية، بالرغم من بعض اوجه الاختلاف الشكلي، وصولاً الى تحويل هذه النتائج وكأنها بالتساوي بين الأكثرية والموالاة على حد سواء.
الثاني: تكريس صيغة تحكم الأقلية بالاكثرية، انطلاقاً من محاولة الحصول على الثلث المعطل في الحكومة الجديدة، أو أي صيغة مشابهة في التركيبة الحكومية، لابقاء القرار السياسي محكوماً بهذه الصيغة، وإدخال قرارات السلطة التنفيذية على اختلافها خاضعة لمشيئة هذه الصيغة، بما يؤدي حتماً إلى إبقاء حالة الشلل والجمود تكبل انطلاقة الحكومة الجديدة، ومنع تقدمها باتجاه معالجة الملفات والقضايا الملحة التي تهم المواطنين، او ابقاءها خاضعة لمصالح وتوجهات الأقلية خلافاً للأسس الدستورية ونتائج الانتخابات الأخيرة.
ولكن بالرغم من كل هذه المحاولات المكشوفة لعرقلة وتعطيل تأليف الحكومة الجديدة، الا أن حدود هذه المحاولات محكوم بما يستجد على صعيد الاتصالات والمصالحات العربية – العربية من جهة، وانقضاء الوقت الطبيعي الذي يحتاجه الرئيس المكلف لانجاز عملية تأليف الحكومة العتيدة، وعندها تصبح الاقلية امام خيارين لا ثالث لهما، الأول اما العودة عن أساليب التعطيل ووضع العراقيل في طريق الرئيس المكلف سعد الحريري والقبول بالمشاركة في الحكومة الجديدة، استناداً الى نتائج الانتخابات والدستور اللبناني، وتسهيل تأليف الحكومة الجديدة وتسريع انطلاقتها، كي تستطيع القيام بالمهام الجسيمة الملقاة على عاتقها والبدء بورشة النهوض العامة واخراج البلاد من حالة الانقسام التي ولدتها ظروف السنوات الأربع الماضية منذ ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005، واما فتح الباب على مصراعيه امام أزمة حكومية مستفحلة، لا يعرف احد مداها، وما ستؤدي اليه من انعكاسات سلبية، ليس على صعيد الواقع السياسي في لبنان فحسب، وإنما على صعيد الوضع الأمني المترجرج اصلاً منذ اجتياح العاصمة من قبل <حزب الله> في السابع من ايار، وما يمكن ان يؤدي اليه الوضع من تداعيات اقتصادية تؤثر على مستوى عيش الناس وحياتهم.
وفي هذه الحال، ستستمر الحكومة الحالية برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة في القيام بمهمات تصريف الأعمال وتسيير أمور الدولة ضمن الصلاحيات المعطاة لها في الدستور إلى ما شاء الله، وهو واقع يتعارض في الأساس مع توجهات وسياسة الأقلية التي تناهض في الأساس وجود السنيورة في رئاسة الحكومة وتعتبره متعارضاً مع مصالحها ولا يعبّر عن تطلعاتها.
ولذلك، فان هامش المناورة امام تحالف قوى الثامن من آذار ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية، بل محكوم بحدود معينة، والخيار الأمثل امام هذه القوى هو تسهيل مهمة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الجديدة والقبول بالحصة المعروضة عليها مع الضمانات المحلية والعربية المعطاة لها بالنسبة للمسائل الحيوية والحساسة، لأن الإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة، ليس في صالح الرئيس المكلف وتحالف قوى 14 آذار فقط، بل هو في صالح جميع اللبنانيين من دون استثناء، لا سيما في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحولات وتحديات بارزة، قد تنعكس ضرراً على لبنان في حال لم تؤلف حكومة قوية وفعالة لمواجهة كل المستجدات.