#adsense

النائب الشيخ سامي الجميّل.. المفاجأة

حجم الخط

النائب الشيخ سامي الجميّل.. المفاجأة

تلمّست إنسان سامي الجميّل قبل أن يصبح نائباً، تلمّسته أخاً، عندما طلب بشكل شخصي من ماجدة الرومي التي وقفت في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد بيار الجميل، وصدحت بتلك الأغنية ـ الصلاة التي عاشت معنا منذ العام 1979 "يا نبع المحبة"، كان يهدهد جرح فقد شقيقه الوحيد بمقطع: "بين الخيّ وبين الخيّ بيعدوا المشوار"، ومن التي صدحت بالأغنية سمعت عن عمق جرح هذا الشاب الموجوع ـ المشتاق، وأبشع ما في السياسة أنها تقمع رجالاتها من إظهار إنسانيتهم..

ومتابعتي الأولى لهذا الشاب جاءت من تمرّده، كان يبني تجربته بعيداً عن عباءة تاريخية موروثة، أراد أن يكون هو ببساطة، فكانت جمعية "لبناننا"، التي حملت كثيرين من المغايرين له في الرأي السياسي، على الاستفادة من "نا" الجماعة هذه، وتوظيفها لمآربهم الخاصة، فبدلاً من المحافظة على قصدها "لبنان لنا كلنا، وهذا لبنان الذي نريده" راحوا يكيلون التهم للشاب المفعم بحيوية أفكاره..

متابعتي الثانية له، كانت في عودته إلى حضن البيت الكتائبي، لم تكن عودة ابن ضال، بل عودة حوار ونقاشات وحجج إقناع واقتناع، على الأقل في هذا دلالة أنه يدخل في الإرث السياسي على ركائز صلبة من العقل والمشورة والتفكير، وما أقل الذين يفكرون في هذا البلد، وعلى الرغم من محاولات تصوير المنزعجين من تقدم خطواته السياسية على أنها نابعة من "فورة عصبية (من تعصّب)" تأكدنا أنه ليس عوداً طرياً أبداً، بل فرعاً صلباً من شجرة وارفة قدمت الكثير للبنان..

سامي الجميل، قيل الكثير عن ترشحه للنيابة، وحاول كثيرون الانتقاص من قيمة هذا الشاب، وكأن الشباب "تهمة" أو "عيباً"!! تابعته أمس الأول على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، فإذا هو النائب الشاب المفاجأة، وأقول وبصدق أننا نشأنا على مثل لبناني يختصر علاقة الأجيال ببعضها، يقول: "الوعاء الكبير يسع الوعاء الصغير"، فاجأني حجم اتساع وعاء النائب سامي الجميل السياسي الفكري، فاجأني بأنه وعاء شديد الشفافية وممتلئ بغنى أفكاره السياسية الشخصية القائمة كلّها على قبول الآخر والدعوة إلى محاورته للحصول على لبنان من دون هواجس طوائفه..

أما أكثر ما فاجأني في هذا النائب الشاب، أنه في لحظة من هذا الحوار كان "الوعاء الصغير" الذي "اتسع للوعاء الكبير" فلم ينزلق ولم يستدرج للرد على كلام استفز قواعد لبنانية شعبية كبيرة، بل جاء كلامه متوازناً متزناً في ما يختص بقضايا لبنان الكبرى، فاجأني سامي الجميل عندما وضع إصبعه في عين الجرح اللبناني فرأى أنّ: "المشكلة بنيوية لأنّ اللبنانيين يخافون من بعضهم البعض"، وهو لا يطرح المشكلة فقط بل يطرح حلّها أيضاً إذ يقول:" الحل هو في إقامة مؤتمر وطني تطرح فيه الهواجس والمشكلات بكل صراحة وصدق لأننا إن لم نقم بذلك سنبقى في مكاننا ونؤجل المشكلات من مرحلة إلى أخرى. ونحن نشعر بالقرف وكذلك اللبنانيون لأننا كلما شعرنا أننا خرجنا من مرحلة سيئة نقع مجددًا فيها".

وفاجأني عندما اتسع وعاء تجربته الصغيرـ إلا أنه عميق لكثرة جروح الموت فيه – لوعاء "كبير" متجاوزاً كل الأحاديث التي أربكت الشارع اللبناني خلال الأيام الماضية فكان حرصه شديداً على المصالحات الكبرى التي أنجزت في لبنان إذ قال: "إن حزب الكتائب اللبنانية يؤمن بالشراكة المسيحية ـ الدرزية مثلما يؤمن بالشراكة الوطنية في شكل عام (…) بدأنا المصالحة مع النائب جنبلاط منذ العام 2000 لأننا مقتنعون بأنه ممنوع عودة المجازر والمآسي الماضية، ويجب عودة الروح والحياة إلى مناطق الجبل وتثبيت العيش المشترك الذي هو أساس واستراتيجي بالنسبة إلينا."

وفاجأني أيضاً، عندما تناول مشكلات لبنان المفصلية التي قد تكون قاتلة ما لم نتعامل معها بوعي وإدراك، هذا الشاب الذي اتهم ظلماً بالانعزالية طرح أسئلته: "هل نريد قطع أنفسنا عن محيطنا والعالم العربي؟ لكن ما نقوله هو أننا نريد الاستقرار في لبنان وما يفيد ذلك نؤيده وما يضره نرفضه" وهذا عملياً ما يريده كل اللبنانيين، التواصل الحقيقي مع محيطه ومع العالم العربي، ونرفض تحميل وطننا أعباء لا طاقة له بها..

وفاجأني هذا الشاب أيضاً، عندما أدركت أنه يقدم حلاً موضوعياً جريئاً يسهم في حل أزمة يتاجر بها السياسيون لفظاً ويهولون بها تحت عنوان التوطين، من دون أن يقدموا اقتراحات لحلّ مشكلات معاناة الفلسطينيين في لبنان، فإذا بهذا النائب الشاب يقدّم اقتراحاً جديراً بالاهتمام للدول العربية معلناً عن "اقتراح لحزب الكتائب بإشراك الدول العربية في حمل عبء الوجود الفلسطيني في لبنان"، فقال: "بدلاً من إحضار موظفين من الهند والباكستان، فلتوظف تلك الدول العربية الفلسطينيين العاطلين من العمل في لبنان والذين يعانون مشكلات اقتصادية ومعيشية كبيرة".

النائب الشيخ سامي الجميل، سيشكّل علامة فارقة في الحياة النيابية اللبنانية، فرؤيته شديدة الوضوح عن مشكلات لبنان ورأيه فيها صريح وجريء وهادئ سواء على مستوى الساحة اللبنانية، أم على مستوى الساحة المسيحية، فقد تحدّث بالتفصيل عن نظامنا السياسي ومشكلاته، ومكامن هواجسه وثغراته، حدد أنه تحت سقف المؤسسات الدستورية، والتزم المبادرة العربية للسلام، والهدنة، وتفاوض غير مباشر مع إسرائيل، رافضاً أن يسعى الجميع لسلام من أجل بلدانهم وأن يترك لبان ساحة معلّقة، وانتهى إلى موقف فاصل: "أدعو إلى الجلوس إلى الطاولة من اجل التحاور والتفاهم."

جيلنا، للصدف، عاصر ثلاثة أجيال "جميلية"، في طفولته ومع بدايات الحرب ومن منظور محيطه العائلي، لكنه ظل يلاحظ حبل الود الذي لا ينقطع بين الرئيس صائب سلام والشيخ بيار الجميّل، على رغم مآخذ منطقتنا ومحيطينا الكثيرة التي كانت تُثار حول بيار الجميل الجدّ، ثم عاصر في مراهقته وشبابه "بريقاً جذاباً" في شخصية الرئيس الراحل بشير الجميل، الذي حقق في 20 يوماً فقط بُعيد انتخابه تقارباً بين المسلمين والمسيحيين، ربما كان هذا واحداً من أسباب اغتياله، ثم عاصر شاباً ناضجاً حقبة حكم الرئيس الشيخ أمين الجميل الذي لم تُتح له الاتفاقات والانقلابات على الاتفاقات ثم انقلاب 6 شباط، تبلور فترته الرئاسيّة فكان رئيساً لحقبة مليئة بالتناقضات والتفجيرات الأمنية، وعاصرنا في هذا العقد ومنذ العام 2000، صعود نجم سياسي شاب الشهيد بيار الجميل الحفيد الذي حقق منفرداً ما لم يستطع حزب الكتائب تحقيقه، فأنقذ إرث حزب تاريخي وأعاد تجميعه، وكان من أبهى قيادات ثورة الأرز الشابة، ثم هوى هذا النجم سريعاً، فممنوع على لبنان أن تبقى قياداته الواعدة على قيد الحياة، وها قد دخلنا مرحلة النائب الشيخ سامي الجميل الذي دخل البرلمان وعلى كتفيه الشابتين إرث يثقل كاهل مجموعة رجال فكيف بشاب في مقتبل حياته السياسية؟!

قلقنا عليه من التحذيرات الأمنية التي تلقاها عن تهديد أمني لسلامته الشخصية، ويقيننا وإيماننا أن "الحامي الله"، إلا أن لبنان "يا نبع كل محبة" لم يعد يحتمل أن ينسّم الهواء على خيرة شبابه الواعدين، وقد تيقنا أن النائب الشيخ سامي الجميّل "طليعتهم"، فلنراقب تجربته، وليكفّ الذين انتقدوه عن إثارة غبار لن يحجب عن حدقتنا لمعان شخصيته النيابية الواعدة، ولا أفكاره الجديرة بأن تكون منطلقاً لحوار لبناني حقيقي فيه الكثير من المصارحة والمصالحة، مع الذات ومع الآخر أيضاً..

المصدر:
الشرق

خبر عاجل