التأليف أمام تحديات الداخل··· وضغوطات الخارج!
من حق اللبناني أن يتساءل عن مبررات التأخير والعرقلة في تأليف الحكومة العتيدة، طالما أن كل الأطراف السياسية تتغنى هذه الأيام بسياسة الحوار والانفتاح واليد الممدودة، وتتسم خطاباتها بالتهدئة والابتعاد عن المواقف التصعيدية والصاخبة، وتنادي بضرورة العمل على تسهيل مهمة الرئيس المُكلّف···
صحيح أن الانقسامات الداخلية تكاد تكون على حالها بين فريقي 8 و14 آذار، باستثناء حركة زعيم المختارة طبعاً، ولكن واقع الهدوء الحالي والرغبة في تمرير موسم الاصطياف على خير، فضلاً عن تنشيط لقاءات النقاش بين قادة الموالاة وأقرانهم في المعارضة، كل ذلك يُفترض به أن يساعد على تذليل العقبات التي تعترض ولادة الحكومة الجديدة، وتؤدي إلى فتح صفحة جديدة لحركة العمل السياسي في البلد·
ثمة من يربط بين العرقلة الحاصلة لعملية التأليف، وبين ما يتردد في بعض الأوساط عن نتائج التحقيقات الأوّلية التي توصلت إليها المحكمة الدولية للإمساك بطرف خيط الجريمة النكراء التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الأبرار·
وثمة من يجمع بين مطالبة المعارضة بالحصول على الثلث المعطّل وسعي <حزب الله> للحصول على ضمانات في موضوع السلاح، وفي أية قضية <تمس أمن المقاومة> على حدّ قول أصحاب هذا الكلام·
وهناك من يجاهر بأن <العقدة الخفية> التي تعرقل ولادة الحكومة الحريرية تكمن في دمشق، التي وعدت نفسها بزيارة للرئيس المُكلّف قبل التأليف، ولو من باب التعارف الشخصي والبدء بعملية بناء الثقة، بعد تلك الموجة العاتية من العداء التي فجرتها عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري·
فأين تكمن الحقيقة في كل هذا الكلام المتداول في الأوساط السياسية والدبلوماسية، والذي يدور في حلقة مفرغة من دون أن يتمكن أحد من ايصاله إلى خواتيمه السعيدة؟!·
* * *
لعل تكتم الرئيس المُكلّف على تفاصيل الحوارات والنقاشات الدائرة مع المعارضة، كما مع الحلفاء، ساعد على تداول سلسلة من التكهنات المتناقضة حول أسباب تعرقل التشكيلة الحكومية، لا سيما بعد مجاراة رئيسي الجمهورية ومجلس النواب الرئيس المُكلّف بتكتمه، وعدم الإفصاح عمّا يدور في لقاءات النقاش والحوار التي تمتد بعض الأحيان لساعات·
ولكن ثمة موقفان يؤشران على عدم دقة الكلام المتداول عن العرقلات من جهة، ويساعدان، أو هكذا يُفترض على الأقل، على إزالة الكثير من الحذر والتحفظات من جانب المعنيين بالطبخة الوزارية سواء في الموالاة أم المعارضة، أم في الداخل والخارج·
المؤشر الأوّل: تجاوز الرئيس المُكلّف لعقدة الخلاف مع دمشق، وتأكيد استعداده لزيارة سوريا والالتقاء مع قيادتها، متجاوزاً بذلك عقدة الخلاف المستحكم منذ 14 شباط 2005، تاركاً ملف التحقيق في جريمة اغتيال والده الى المحكمة الدولية، وملتزماً بما تفرضه عليه مسؤولياته الوطنية كرئيس لحكومة كل لبنان·
المؤشر الثاني: حُرص الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله على التأكيد في خطابه الأخير، بأن الحزب لم يطلب من الرئيس المُكلّف ضمانات بشأن موضوع السلاح، ولا في موضوع المحكمة الدولية، ولا حتى بالنسبة للحصول على <الثلث الضامن> في الحكومة العتيدة، وان المسألة الأساسية تبقى في عملية بناء الثقة، وتحقيق الشراكة الفعلية في حكومة الوحدة الوطنية·
وإذا وضعنا هذين المؤشرين على طاولة التعاون بين الموالاة والمعارضة، وخلصت النوايا في العمل على إنقاذ البلد من أزماته المتعددة والمتكررة في السنوات الأخيرة، ألا نُسهّل عندها ولادة الحكومة ونفتح صفحة جديدة تحت عنوان الوفاق والأمن والاستقرار، لطالما انتظرها اللبنانيون بفارغ الصبر، وبكثير من المشقة والمعاناة والتعب؟!·
* * *
مرّة أُخرى···
يبدو أن التعقيدات ليست داخلية فقط، وهي لا تتعلق بحرص الأكثرية على ترجمة فوزها بنتائج الانتخابات الأخيرة بالحصول على أكثرية مقاعد مجلس الوزراء، والمسألة لا تقف عند إصرار الأقلية على اكتساب حق الفيتو في السلطة التنفيذية عبر الحصول على الثلث المعطل وحسب، بل إن الوضع اللبناني أصبح أسير الحركة العربية والاقليمية في الانفراج أم في التعقيد والانفجار، بمعنى إذا تلبّدت الغيوم في سماء الإقليم تُمطر في الوطن الصغير، وإذا انقشعت في السماء العربية تُشرق شمس الوفاق والاستقرار في لبنان!·
وقياساً على ذلك، فان تأخّر المصالحة المصرية – السورية من اللحاق بالمصالحة التي تمت بين الرياض ودمشق، وعدم رأب الصدع بين القاهرة والدوحة من جهة، والدخول الإيراني على خط المصالحات العربية للحفاظ على الدور الإيراني في ملفات المنطقة الساخنة، كلها عوامل أدّت إلى فرملة اندفاعة التفاؤل التي خيّمت على أجواء التأليف فور إعلان التكليف، وبموازاة الحوار المكثّف الذي كان ناشطاً بين العاصمتين السعودية والسورية·
هناك محاولة لبنانية جديدة لتحييد ولادة الحكومة عن المخاض الإقليمي، وأجواء الحوار والانفتاح السائدة بين الرئيس المُكلّف وأطراف رئيسية وفاعلة في المعارضة توحي بذلك، ولعلها كانت وراء تفاؤل رئيس المجلس النيابي بتظهير الحكومة الجديدة قبل نهاية الشهر الحالي·
هل يُكتب لهذه المحاولة النجاح هذه المرة؟·
وهل رفعت الأطراف الإقليمية المعنية بالوضع اللبناني يدها عن ملف التأليف الحكومي، تاركة هذه المهمة لحلفائها المحليين؟· وهل تستطيع القيادات اللبنانية التحرّر من الضغوطات والتدخلات الخارجية، ولو لحين، وتمرّر تشكيل الحكومة اللبنانية بمعزل عن الصراعات الإقليمية، والخلافات العربية – العربية؟·
تساؤلات تطرح تحديات، ليس أمام الرئيس المُكلّف وحده، بل أمام القيادات اللبنانية كلها، وفي مقدمتها رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، ومعهما السيّد حسن نصر الله والعماد ميشال عون، وكل من يُطالب معهما بالثلث المعطل، خلافاً للدستور، وخلافاً لنص وروح اتفاق الطائف!·