وسط السعي الواضح إلى توظيف عامل الوقت وتحريك القنوات الاقليمية
هل يجري إقحام التطورات الجنوبية في الاستحقاق الحكومي؟
هل يمكن أن يشكّل تصعيد الوضع في الجنوب والمخاوف التي يثيرها اي تطور سلبي من اي نوع، حافزاً يحض بعض الدول الكبرى بالاصالة عن نفسها او بوكالتها عن الآخرين كما يمكن ان تكون الحال بين الولايات المتحدة واوروبا على الانخراط في موضوع تحريك الوضع الحكومي لجهة الاسراع في تأليف الحكومة ؟
هذا السؤال فرض نفسه في ضوء عامل اساسي يتمثل في تلاحق بعض التطورات في الجنوب بدءا من انفجار مستودع الاسلحة في خربة سلم في الجنوب، وصولاً الى التظاهرة في كفرشوبا ثم الى محاولة منع القوة الدولية العاملة في الجنوب من اجراء التحقيق في الانفجار بمشاركة الجيش اللبناني وتعرّض عناصرها لاعتداءات. ويحفّز أي وضع ينشأ في الجنوب اللبناني الدول الاوروبية المشاركة في القوة الدولية والتي تخشى على عناصرها من اي تهديد يمكن ان يطولهم، كما يحفز الاميركيين من جهة اخرى على عدم تشجيع نشوء أي وضع على الحدود بين لبنان واسرائيل مثير للقلق في عز اهتمامها وسعيها الى ابتكار خطط لاعادة التسوية السلمية في المنطقة الى سكة المفاوضات وهو الأمر الذي قد يدفعهم الى التدخل لعدم ترك الامور عالقة في لبنان . فهذه الدول ولا سيما منها الولايات المتحدة تتجاهل موضوع تأليف الحكومة اللبنانية ولا تبدي اهتماما ظاهرا باي صيغة يمكن ان تؤول اليها الحكومة العتيدة، ربما لاعتقادها أن هناك سقفا مطمئنا هو فوز قوى 14 آذار بالاكثرية النيابية مجددا ولأربع سنوات مقبلة. لكن ما سرى عن مسعى اميركي هو الذي جمّد مفاعيل المطالب السورية الكبيرة والمرتفعة السقف جدا غداة تكليف النائب سعد الحريري تأليف الحكومة والتي نصت على ان يزور الرئيس المكلف سوريا قبل تأليف الحكومة وان يصطحب معه رؤساء الكتل الحليفة له الى دمشق وفق ما طلب الرئيس السوري من الوسيط السعودي، على قاعدة ان تُترك الحكومة للبنانيين انفسهم من دون تدخلات خارجية، فمن غير المستبعد بالنسبة الى مصادر سياسية معنية ان توظف تطورات جنوبية اعتبرتها واشنطن اخيرا خطيرة، من حيث ان الانفجار في خربة سلم خرق خطير للقرار 1701 الذي لا يزال يشكل، وبحسب تعبير واشنطن، اولوية بالنسبة اليها، من اجل استدراج تفاوض غير مباشر للدخول على الخط واعطاء اثمان مقابل تسهيل الافراج عن تأليف الحكومة.
ليس خافيا ان الجنوب استأثر الاسبوع الماضي بالاهتمام، وكل ما يجري فيه كان لسنوات طويلة خلال الوصاية السورية في لبنان المجال الارحب لفتح قنوات حوار او اتصالات لم تكن مقفلة بين سوريا والولايات المتحدة، بل مطلوبة في اوقات محددة ولأسباب معينة. ولا تخفي المصادر السياسية المعنية أن اي تطورات جنوبية يمكن ان تغير قواعد التأليف الحكومي، وربما تساهم في التعجيل فيه على رغم اشارة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الى عدم استعجال الحريري، وان تأليف الحكومة ربما يستغرق فصل الصيف. فهذه الاشارة بالذات تراها المصادر اسلوبا مقتبسا عن الاسلوب السوري في التفاوض الذي يلعب على عامل الوقت ليس الا، على اساس انه لا يستعجل أي شيء في انتظار ان تحصل تطورات او ينفد صبر الطرف الآخر، فيقدم على تقديم تنازلات للخروج من المراوحة وتضييع الوقت المسيء الى لبنان واقتصاده. وليس واضحاً اذا كان الرهان على عامل الوقت هو لاستدراج تحول اسرع من الولايات المتحدة او من العرب نحو سوريا باعتبار ان الخطوط التي نشأت باتت خطوطا مفتوحة، لكنها ايضا خطوط غير مكتملة ولا تزال في بداياتها مع استمرار وجود الشروط ورفعها او وضعها على الطاولة في كل مناسبة على رغم الايجابيات الظاهرة والمتداولة.
هذه التساؤلات تؤدي الى تغليب عامل التشاؤم على عامل التفاؤل بالنسبة الى المصادر المعنية، اذ ان كل المواقف السياسية المعلنة والتصريحات تتفاوت في هذا المنحى او ذاك متخبطة في غياب امتلاكها المعلومات عما يجري. لكن بدا بالنسبة الى كثر ان السيد نصرالله طوى بنفسه صفحة التفاؤل التي بشر بها الرئيس نبيه بري بالذات. وتالياً، اذا كان تأليف الحكومة العتيدة يبدأ اسبوعا جديدا والمواقف على حالها، وفق ما عبّر عنه السيد نصرالله الذي قدم خطابا مرنا في الظاهر متشددا في المضمون، أي التمسك بالثلث المعطل الذي بات عنوانا رديفا لكلمة شراكة، فهذا يعني ان الامور عادت الى المربع الصفر في ظل تمسك الاكثرية بعدم اعطاء الثلث المعطل للاقلية وفشل الصيغ التي عرضت حتى الآن. وتركز الاسئلة على احتمالات تطور الوضع في الجنوب في شكل او آخر وتحوله عاملا ضاغطا على تأليف الحكومة، في موازاة تمحورها على عامل الوقت مع رهان كبير من الاقلية على تراجع الاكثرية امامها لئلا تضيع المراوحة نتائج الانتخابات، علما ان للثلث المعطل المفعول نفسه ما دامت الاقلية تمسك بخناق الاكثرية في الحالين. ثم ما هي الصيغة المبدعة والخلاقة التي يمكن الا يكون فيها ثلث معطل للاقلية وتستطيع ان تخفف حدة الانقسام الذي ساد في المدة الماضية، علماً ان ثمة رفضا لخلط الاوراق لان بقاء التوزيع الحكومي على ما كان في الحكومة المنتهية مدتها يعني بقاء الانقسام على رغم الانفتاح على صعد عدة، مما يعني في هذه الحال انه انفتاح شكلي وليس جوهرياً، وان هناك سعيا الى تكريس عرف يحل محل الدستور في هذه الحكومة واي حكومة مقبلة.