وثيقة سياسية جديدة إلى الضوء.. وفيها "الاستمرارية" و"التفاعل" و"الانفتاح"
14آذار.. "لم ولن تعيش" في الماضي
لا شك أن 14 آذار لم تأت من العدم، كما انها لم تكن وليدة الصدفة بل نتيجة تراكمات استمرت عشرات السنين انفجرت في ذروة "الارهاب" الممارس على لبنان، وبالتالي هذه اللحظة التاريخية التي تحولت إلى حركة شعبية فاعلة، لن تكون عابرة ولا يمكن لها أن تعيش في الماضي لأن رؤية ومفهوم "العبور إلى الدولة" يعني المستقبل بـ"حلوه ومرّه" ويعني أيضاً ان النضال لوطن حر ومستقل طويل، ما يفضي بنا إلى الإجماع المنطقي على أن "عسكرية" ثورة الأرز لا تزال في بداياتها.
أحداث كثيرة يتخبط بها الوطن، ولعلّ وقوع الـ10452 كلم2 في منطقة لم تعرف من السلام إلا القليل هو فعل حتمي لصياغة وثيقة للحياة في مساحة "بركانية" عاشت وتعيش على الموت والدمار، فلا رحيل الجيش السوري عن لبنان هو البداية ولا في تطبيع العلاقات "نهاية"، اذ ان العنف يأتينا من كل الجهات وأكثرها "علنية" من الجنوب، من العدو الاسرائيلي الذي عوّدنا على "الإجرام" إن حضر "نتنياهو" وليبرمان" وإن لم يحضرا، فليس مستجداً على هذا الكيان سياسة "العنف" وعشقه لـ"القتل"، وليس خافياً في الوقت نفسه على أحد أن لا تسويات ولا مفاوضات تستطيع تغيير "تفكير نظام" حكم اللبنانيين بالذلّ طيلة أعوام أشبعها بثقافة "العسكر" ولكن "عسكر على مين"!.
منذ التمديد المشؤوم بدأت مرحلة "جدية" للمواجهة، توجت في 14 آذار 2005 واستمرت، حققت الكثير من المكاسب ومن التغييرات التي ستبقى في الذاكرة وفي التاريخ، ومنذ تلك اللحظة ومع "مأسسة" التحرك الشعبي في 14 آذار، أثبت هذا التجمع "المتنوع" أنه يعيش في السياسة بأدق تفاصيلها ويدرك تماماً كل ما يحصل من تطورات في الداخل والخارج، واستطاع من خلال نظرته "المحض لبنانية" أن يقارب المشكلات التي واجهت وتواجه الوطن بطريقة موضوعية قريبة من "نبض الشارع" اللبناني ومن تطلعات ناسه.
محورية لبنان
بعد انتهاء الانتخابات النيابية وما أفرزته من تجديد ثقة الشعب الليناني بالخيار الاستقلالي. جملة من العوامل بدأت تلوح في الأفق، داخلية خارجية، ومعها أصبح من الضروري أن تبلور 14 آذار نظرة منقحة لرؤيتها تتماشى مع واقع الحال، لا سيما أن لبنان هو "المحور" في كل "الاستراتيجيات" التي تُرسم للمنطقة، إن في السلام وإن في الحرب، ويزيد محورية هذا البلد، أن بعض الأفرقاء يربطون أنفسهم بالخارج، وبالأخص بما يسمى محور الممانعة ومنه إلى إيران وملفها النووي، ومن هذا البعض من يعتبر نفسه "تابعاً" ومرتبطاً ارتباطاً عضوياً بـ"ولاية الفقيه" التي تحكم النظام في ذلك البلد.
وأكثر من ذلك، لا تغفل 14 آذار بحكم واقعيتها، وإدراكها لمسؤولية "الوكالة" المعطاة لها من الشعب اللبناني، جملة من التطورات الداخلية التي تستدعي اليقظة والمتابعة، و"عدم العيش في الماضي" الذي لم تعرفه هذه الحركة ماضياً وهي بالتأكيد لن تتعرف اليه مستقبلاً، وهي مع تعرضها للضغوط ولا سيما على صعيد أمانتها العامة من فريق 8 آذار وشبه انتقادات من البعض الآخر، فإنها مدركة تماماً لما تريد وما تسعى إليه، وأهم ما توليه أهمية اليوم هو مقاربة "الواقع" السياسي الحالي بطريقة موضوعية وواقعية و"لبنانية"، لتبقي جمهورها "متصلاً" و"منسجماً" مع الأحداث، ولعلّ أهمها ما يخبئه لنا "القرار الظني" للمحكمة الدولية والتداعيات التي سيستحضرها هذا الحدث.
تنوع "بنّاء"
وليس خافياً على احد "التناقضات" التي بدأت تظهر إلى العلن في مواقف قيادات الفريق الاستقلالي في مقاربة الواقع السياسي الجديد، وهذا ليس بغريب على هذه القوى التي لطالما تغنّت بـ"تنوعها" و"اللاشمولية" التي تحكم مواقفها وتحالفها وأن ما جمعها وسيبقى يجمعها توجه قياداتها وأحزابها للحفاظ على الهدف الأساس وهو حرية لبنان واستقلاله.
وانطلاقاً من هنا، تدرس الأمانة العامة لـ14 آذار بجدية إصدار وثيقة سياسية تتوجه بها إلى اللبنانيين وتقارب من خلالها ما يحصل داخلياً وخارجياً من موقع الحريص على الوطن وبقائه. وتؤكد مصادر بارزة في هذه القوى وفي أمانتها العامة أن "الهاجس الأساسي اليوم هو التوفيق بين التوجهات المعلنة لكل قيادات ثورة الأرز والمحافظة على الخط البياني الذي بدأت فيه منذ اربع سنوات إلى اليوم، لأن التهديدات لا تزال قائمة والحفاظ على هذا التحالف العريض هدفه إيصال لبنان إلى مرحلة تخف فيها الضغوط على لبنان".
ولأن 14 آذار حركة غير عقائدية هدفها الوصول إلى سيادة الدولة في لبنان، فإن التطورات التي حصلت قبل الانتخابات وبعدها يستدعي "تطوير الخطاب" بما يتناسب مع الأحداث في المنطقة، وهذا ما تؤكده المصادر، التي تتحدث عن مجموعة من النقاط التي بدأت الأمانة العامة تبحث فيها تمهيداً لطرحها على قيادات هذا الفريق وتأطيرها في وثيقة سياسية تناسب المرحلة الحالية.
مستويات التحرك
على المستوى الداخلي، تقول المصادر إنه "في ظل إصرار حزب الله على البقاء خارج التركيبة اللبنانية وربط نفسه بالخارج وتصلّبه في التعاطي مع القوى الداخلية، تتجه 14 آذار إلى تطوير العمل باتجاه الحزب وتطوير خطابها معه بطريقة إيجابية وتبديل سياستها ولو جزئياً في ما خص المعضلة التي يطرحها حزب الله على الصعيد الداخلي، على الرغم من الإيمان بأن لا نية لديه (حزب الله) في التعاون".
كما أن الاتجاه لدى هذه القوى، كما توضح المصادر، هو "للحفاظ على منطق الديموقراطية التي يتميز بها الوطن، على الرغم مما تعرّض له هذا النظام على مدى السنوات الأربع الماضية، والإشارات التي ترسلها قوى الأقلية بنية للبقاء على الأسلوب التعطيلي في المرحلة المقبلة، ما يتطلب من قوى الاستقلال العمل بشكل مضاعف لتأمين الحد الأدنى من الحفاظ على روحية العمل الديموقراطي التي تميّز بها لبنان".
على صعيد المحكمة الدولية وما يمكن أن ينتج عنها في ظل التقارير التي تتحدث عن "زلزال سيصيب الحياة السياسية اللبنانية بعد صرور التقرير الاتهامي للمدعي العام للمحكمة"، تشير المصادر إلى اتجاه "لدى هذه القوى لتضمين الوثيقة دراسة دقيقة لكيفية مواجهة التداعيات التي سيفضي إليها قرار المحكمة، لأن أي اتهام سيؤدي إلى تداعيات أمنية وسياسية، وهذا ما يملي علينا العمل بجدية لاستدراك الأمور واستباق الاحتمالات جميعها".
تهديدات إقليمية
أما على المستوى الإقليمي، فستلحظ الوثيقة بحسب ما تقول المصادر "محاولة سورية لفرض وصاية جديدة على لبنان بأسلوب مختلف، من خلال بعض المفاعيل التي تملكها، من ترسيم الحدود مع لبنان إلى الاعتراف بلبنانية مزارع شبعا واستمرار السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وهذه الأمور كلها لا تزال على حالها ولم تقدم فيها سوريا أي جديد أو أي توجّه أو نيّة للحلحلة، إضافة إلى استخدامها لحلفائها لفرض سياسات معينة على السلطة اللبنانية وهذا ما ظهر في الفترة الأخيرة".
ومن المشهد الشرقي الشقيق، إلى الجنوب وعدوانية اسرائيل، إذ تتحدث المصادر عن "أن الوثيقة السياسية التي تعمل 14 آذار على صياغة عناوينها ستضيء بشكل كاف وواف على تعنّت اسرائيل وعدوانيتها تجاه لبنان واستمرارها بمعارضة المجتمع الدولي بأسره، ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة يكون فيها لبنان هو الحلقة الأضعف، ولا سيما إذا حاولت اسرائيل التدخل عسكرياً في إيران التي بدورها تحاول ضم أكبر نطاق من الأراضي تحت سلطة ولاية الفقيه، وهذا ما لا يتناسب مع مفهوم الدولة اللبنانية واستقلاليتها إذا استمر البعض بالسير في هذا الاتجاه".
إذاً، في ظل هذا الواقع ومع توجه قوى 14 آذار الى تطوير خطابها بما يتناسب مع المستجدات التي تحصل من حولنا، يسجل لهذه القوى تعاطيها الشفاف مع جمهورها، فهي لا تنفي التباينات الحاصلة داخل هذا الفريق، إلا أن الإجماع الأهم أن الروح التي جمعت أطياف الحركة الاستقلالية لا تزال هي نفسها وبالزخم نفسه، وأكثر من ذلك، يدرك من ينكب على تأكيد تفاعل 14 آذار مع كل ما يحيطها، أن التعلق بالحرية والسيادة والاستقلال، لا يعني أبداً العيش على الماضي وفيه.