ملاحظات وسط غبار معركة التأليف
المحامي جورج ابو صعب
اما وان غبار معركة التاليف ( الهادئة ) لا يزال يعمي الابصار ويخطف الاذهان الا ان بعضا من التطورات التي شهدتها الساحة اللبنانية في الايام القليلة الماضية يستأهل منا بعض التوقف للتحليل والخروج ولو باستنتاجات اولية .
1- بادئ ذي بدء منذ ايام قليلة أطل علينا السيد حسن نصرالله في كلمته بمناسبة ذكرى يوم الرضوان بمواقف يجب ان تصنف في باب الرسالة الواضحة والجلية لرئيس الجمهورية كما للرئيس المكلف من ان حزب الله ليس بحاجة ان يهتم أحد بسلاحه وانه لا يخشى المحكمة الدولية – وانتقال بالتالي للغة الضمانات للمشاركة في الحكومة الى ملفات اخرى – اذ لو كان الحزب يريد ضمانات لسلاحه وللمحكمة الدولية لما وضع السيد هذين الموضوعين بالنسبة لحزبه خارج التداول والاهتمام .
2- فكلام السيد حسن نصرالله الاخير رفع للسقف السياسي للمطالبة بالمشاركة في الحكومة وقد تجاوز موضوع السلاح وموضوع المحكمة وهو ليس بحاجة لضمانات المشاركة الحكومية من اجلهما بل من أجل شيء آخر قد تكون مستقبلا تعديلات في النظام الدستوري والسياسي – سيما وان الاقلية وان كانت تنفي المثالثة الا انها تعمل في الخفاء وبصورة غير مباشرة للوصول الى المثالثة من خلال الحديث عن أكثرية شعبية وتمييزها عن الاكثرية الناخبة التي افرزت الانتصار التاريخي للاكثرية وثورة الارز .
3- بالاضافة الى ذلك لم تخلو كلمة السيد حسن نصرالله من اشارات واضحة باتجاه الرئيس المكلف : وهو يوحي في كلمته الى انه والمعارضة تعاطوا مع الرئيس المكلف بانفتاح واعلن استعداده لبذل الجهود لتشكيل حكومة وحدة – وكانه بهذا الكلام يفهم الرئيس المكلف والرأي العام بان المعارضة متجاوبة تماما مع الرئيس المكلف ومسهلة لاموره الى اقصى الحدود وبالتالي العقبات ليست عندهم بل عند الاخرين – اي فريق الاكثرية .
4- ونشير ايضا الى رسالة خطيرة ارسلها السيد حسن في كلمته عندما اشار الى ان حزب الله مسؤول عن كل مقاوم اسير وكل مفقود لبناني او فلسطيني … كأنه بهذا الكلام الاخير بدا يفهمنا بان نطاق نشاط وعمل المقاومة سوف يكون للمرحلة المقبلة البحث عن تحرير الاسرى الفلسطينيين – علما ان لا اسرى فلسطينيين انطلاقا من لبنان بل هناك اسرى فلسطينيين بالمئات في سجون اسرائيل من داخل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة – فهل ان السيد يمهد بكلامه لنقلة نوعية في العمل المقاوم حيث تتوسع عمليات المقاومة وحزب الله الى الداخل الفلسطيني والاسرائيلي – بعد ان بات القرار 1701 يحاصر عمل المقاومة في الجنوب اللبناني ؟
5- ويعود السيد حسن في حديثه عن الاسرى الى اشهار مسألة مساواة المفقودين اللبنانيين في السجون السورية بالمفقودين السوريين في السجون اللبنانية – فيتجلى مرة جديدة بخطابه هذا اكثر انحيازا الى السوريين مما هو الى اللبنانيين من ابناء وطنه المفقودين ويشهر بذلك نوعا من توازن معنوي للدلالة على التساوي بين الملفين يؤدي الى اسكات الاصوات اللبنانية المطالبة بانهاء هذا الملف على قاعدة التساوي في الظلم بين البلدين – ومحاولة ربط الملفين ببعضهما مع ان لا مجال منطقيا وواقعيا وقانونيا للربط بينهما لكون ملف اللبنانيين المفقودين في سوريا حافل بالخروقات لحقوق الانسان على مستوى قرار الدولة السورية بينما اذا كان ثمة من فقد من السوريين في لبنان فيكون على مستويات فردية وليس بالطبع بقرارات من السلطات اللبنانية التي دامت لاكثر من 20 سنة حليفة للوصاية السورية في لبنان .
6- على صعيد اخر لفتنا موقف هام لعضو كتلة الوفاء للمقاومة السيد نواف الموسوي في كلامه الاخير على احداث خربة سلم – وقد استعمل مصطلحين هامين هما : منطق السيادتين على ارض الجنوب ومصطلح ممنوع .
فالسيد نواف الموسوي يدافع عن سيادة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني في مواجهة قوات اليونيفل التي يتهمها بانها خرجت عن نطاق عملها في الجنوب وتعدته : فهذا الكلام الخطير بمضمونه كما في مصطلحاته يؤشر الى موقف من اثنين : اما ان حزب الله انكشف في موضوع خربة سلم وبالتالي يستبسل في حماية ظهر مقاومته برمي المسؤولية والتبعة على قوات الطوارئ الدولية التي أصرت على التحقيق في حادثة انفجار مخزن الاسلحة وطلبت من الجيش اللبناني التحقيق والافادة – فاصبحت هذه القوات الدولية وبسحر ساحر متآمرة وخائنة ومتعاملة مع اسرائيل – واما ان هذا الكلام يندرج في اطار تغيير استراتيجي في مواقف الحزب والمقاومة من القرار 1701 الذي بدأت تضيق به ذرعا وبالتالي تحاول تدشين عهد جديد او نمط جديد من المواجهة لهذه القوات الدولية ولهذا القرار منتقلة الى مرحلة مواجهة مكشوفة – وللتذكير نشير الى ان القرار 1701 نص في حيثياته على "… الترحيب ببسط سلطة حكومة لبنان على اراضيه من خلال قواتها المسلحة الشرعية بحيث لا يكون هناك سلاح دون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطة حكومة لبنان …
كما ان القرار 1701 نص في البند (2) من المقررات على "… نشر قوات حكومة لبنان وقوة الامم المتحدة المؤقتة في لبنان معا في جميع انحاء الجنوب … " وبالتالي ليس على القوات الدولية مناطق محرمة او ممنوعة او محظورة لانها تقوم بمهام مساندة الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل الارض اللبنانية في الجنوب – وبالتالي باطلة اية مقاربة مخالفة لتلك – كما ان القرار في كافة حيثياته يعترف ويقر بسيادة الدولة اللبنانية وقواها المسلحة الشرعية وحدها على جميع الاراضي اللبنانية كاملة دون اي سلاح اخر … ولعل هنا مكمن النقمة القديمة الجديدة المتصاعدة للمقاومة وحزب الله .
فحادثة انفجار خربة سلم تقع شئنا ام ابينا تحت طائلة القرار 1701 ولا سيما ان الفقرة (15 ) من مقررات القرار المذكور منعت بيع او تزويد او تدريب او مساعدة اي كيان او فرد في لبنان لاسلحة بما فيه العتاد والاسلحة والذخيرة وتوفير وتصنيع او صيانة او استخدام تلك المواد – وبالتالي ان انفضاح امر المخزن المنفجر لا يمكن ان يعتبر خارج نطاق القرار 1701 وبالتالي ان كلام السيد الموسوي مردود على اعقابه لهذه الجهة .
اما فيما يتعلق بالكلام عن رفض منطق السيادتين فالكلام جميل ومفاجئ صدوره من احد كبار مسؤولي حزب الله والمقاومة – والامل كل الامل ان يعتبر السيد الموسوي ان سيادة الدولة اللبنانية على الجنوب اللبناني حكر على القوى الشرعية اللبنانية دون سواها بما فيها المقاومة التي تشكل قوة رديفة للجيش الشرعي وبالتالي انتهاكا من نوع أخر للسيادة اللبنانية الشرعية على الاراضي اللبنانية .
7- ويبقى ان نسجل في موضوع مشاورات واتصالات التأليف ملاحظتين :
الاولى : ان المعارضة تناور بالوقت الضائع وتحاول اسقاط هيبة انتصار الاكثرية في الانتخابات النيابية الاخيرة وبالتالي هيبة الرئيس المكلف بالايحاء بانها ايجابية وبانها منفتحة ومحاورة للرئيس المكلف سعد الحريري وبان الامور سائرة باتجاه صحيح حتى اذا اعترضت المشاورات عقبات الساعات الاخيرة او الايام الاخيرة يكون بامكانها التنصل من العرقلة برمي الكرة في ملعب الموالاة – وكأن الموالاة هي التي تعرقل رئيس اكبر كتلها – فهذه المناورات مكشوفة ومعروفة ولن تنطلي على احد وعلى الاقلية ان تقتنع بان الاكثرية تستطيع لو ارادت تشكيل حكومة اكثرية ولكنها تؤاثر مد اليد الى الاقلية والتحاور معها لاشراكها في الحكومة – فعلى الاقلية – وعذرا للعبارة – ان لا تكون كمثل " الشحاذ المشارط "- لان لكل شيء حدود ولكل جولة باطلة نهاية .
الثانية : مع كل الاحترام والتقدير والمحبة للاشقاء والاصدقاء العرب والغربيين الاقربين والابعدين – لا يشرفنا ولا يسرنا ان نرى كلبنانيين سياديين او ان نسمع بان مسألة تشكيل الحكومة اللبنانية تنتظر مشاورات خارجية واقليمية ولقاءات وقمما وسواها – كما اننا لا نفقه مثل هذا الاستهتار المخزي للشخصية اللبنانية الناضجة والواعية – وبالتالي فاننا نعتبر ان الحكومة اللبنانية العتيدة يجب ان تتشكل وليكن اخر الدواء الكي فيما لو فشلت المساعي لتشكيل حكومة "وحدة وطنية " – فنحن مع الوحدة الوطنية ومع المشاركة – تلك المشاركة التي تعني المشاركة في القرارات المصيرية لا التأثير على رأي راجح يجب ان يكون بالنهاية بيد الاكثرية – دون امكانية تعطيل من الاقلية وبتحكيم من فخامة رئيس الجمهورية .
هكذا نفهم الامور – وهكذا يفهم جمهور 14 اذار وثورة الارز الانتصار النيابي في 7 حزيران – ففخامة الرئيس ميشال سليمان وعد بان الحكومة التي سـتأتي بعد الانتخابات ستكون دستورية ووفقا لاتفاق الطائف – فقد ان الاوان لنطبق الطائف والدستور ونحترمهما .