الجميع في غرفة الانتظار!
أربعة أسابيع تكاد تنقضي على تكليف سعد الحريري تأليف حكومة جديدة يفترض انها ستنبثق من نتائج انتخابات 2009 التي ربحتها القوى الاستقلالية. أربعة أسابيع والمواقف لم تتزحزح: الغالبية تعتبر ان الحكومة يجب ان تعكس نتائج الانتخابات، والاقلية تصر على "المشاركة الحقيقية" التي تمنحها حق "الفيتو" في السلطة التنفيذية. والرئيس المكلف يعتصم بالصمت العميق ويوزع رسائل في كل اتجاه فحواها ان صبره طويل لا بل اكثر، اذ ينقل عنه قوله لمن يراهنون على الوقت: "سيجدون من هو أكثر صبراً من فؤاد السنيورة"!
أربعة أسابيع انقضت ولم تتبلغ القوى السياسية ملامح لمشروع تشكيلة حكومية. فالمفاوضات بين الرئيس المكلف ومختلف القوى السياسية قائمة على قدم وساق، ولكن في اطار من الثنائية بحيث ان كل طرف يملك جزءا من الصورة لا يكفيه ليكوّن تصورا واضحا لما يرمي اليه سعد الحريري. واللافت اكثر، ان الحريري يحاذر التكلم في اللقاءات، فلا يتمسك بموقف حاسم، ولا يقطع شعرة معاوية، ولا يرفض أكثر المطالب "جنوناً"، ولا يكشف توجهاته الفعلية. في المقابل تبدو القوى السياسية على اختلافها كأنها تتحرّك على ايقاع الرئيس المكلف، فحتى أكثر القوى المشهود لها بالثرثرة والكلام المنفلت من عقاله تتصرف شكلاً بكثير من الخفر الخطابي، ويبقى كل طرف متمسكاً بما يعتبره الحد الادنى المقبول: الغالبية ترفض الثلث المعطل على قاعدة انه يفرغ انتصارها من مضمونه السياسي وينسف دستور الطائف، والأقلية تصر عليه على قاعدة انه يعكس المشاركة الفعلية و"واقع الأرض".
في مستوى آخر، يقف الاقليم (الشرق الاوسط) في منتصف الطريق بين عمل جاد للملمة الصف العربي عبر استيعاب سوريا عربياً وجذبها دولياً بعيداً من العامل الايراني الذاهب الى مواجهة استحقاقين كبيرين: الأول داخلي فرضه "زلزال" ما بعد الانتخابات الرئاسية ولا تزال ارتداداته تتتابع، والثاني اقتراب موعد مواجهة جديدة مع المجتمع الدولي على خلفية البرنامج النووي المعتبر عامل تهديد لمصالح الولايات المتحدة والاوروبيين، ولأمن اسرائيل، ولاستقرار الجيران العرب على حد سواء. وفي حين تتواصل الاتصالات السعودية – السورية التي تباطأت وتيرتها في الآونة الاخيرة، يرتفع منسوب التوتر بين إيران وإسرائيل، ويقترب الثماني الكبار من الاتفاق على حزمة عقوبات جديدة تنطلق المساعي لفرضها على طهران بدءاً من نهاية آب المقبل. والجديد ان الحزمة الجديدة لن تمر بالضرورة عبر مجلس الامن لئلا تتسبب الديبلوماسية المتعددة الطرف في تأخير الاتفاق حولها، وبدل ذلك ستكون الحزمة الجديدة من العقوبات المشددة ثنائية او ثلاثية او متعددة الطرف من خارج آليات الامم المتحدة بما يعجّل في فرضها من دون عوائق، ويؤمّن متابعة عالية لإجراءاتها.
وفي الوقت الذي يراهن فيه الاوروبيون وبعض العرب، وتركيا، واسرائيل على تحييد العامل السوري في المواجهة المقبلة مع ايران، وفي الوقت الذي تبدو فيه المنطقة في مرحلة ما قبل العاصفة، يبدو الوضع في لبنان معلقاً، او قل في غرفة انتظار لها بابان، واحد يفتح على "جنةّ" الهدؤ والتوافقات، والآخر يفتح على "جهنم" حرب تشعلها اسرائيل في لبنان مقدمة لعزل ايران، او تشعلها ايران بواسطة ذراعها ("حزب الله") لحرف الاستحقاق الذي يدهمها.
لبنان في غرفة انتظار، والاهم ان يدرك كل الاطراف، وفي المقدم "حزب الله" ان الحلول او القرارات المنتظرة من الخارج لتسهيل تأليف الحكومة، وان تأخرت، ينبغي ان تزيدهم إدراكاً للمسوؤلية حيال الوضع اللبناني الداخلي بالمحافظة على الهدوء والتهدئة. والبداية من بوابة المتاعب جنوباً.