"القاعدة" و"اليونيفيل" والـ 1701
ما هي الحلقة الأضعف في جدار الأزمة اللبنانية؟
حفل الأسبوع الأخير بأكثر من مؤشر على أن الوضع في لبنان، من زاويته الأمنية، بات أقرب الى "الاهتزاز"، وأن ثمة مخاوف من استغلال الساحة الجنوبية لإرسال رسائل إلى أكثر من جهة وفي أكثر من اتجاه، مع ما يعنيه ذلك من انعكسات سلبية، سياسية واقتصادية، إن لناحية التأثير على عملية تشكيل الحكومة، أو على موسم السياحة والاصطياف، ويزيد من اشكالية المشهد أنه يأتي في لحظة ارتباك إقليمي فلسطينياً وإسرائيلياً وإيرانياً.
فتطورات الوضع في الجنوب التي طغت على الانهماك اللبناني بتشكيل الحكومة، بدءاً من الخرق الإسرائيلي في منطقة كفرشوبا الذي سعى الى إحداث تغييرات على الارض المتنازع عليها، مروراً بالاعتداء الذي تعرضت له دورية تابعة للوحدة الفرنسية في قوات "اليونيفيل" على أيدي "الأهالي" في بلدة خربة سلم، وصولاً الى الإعلان عن كشف خلية تابعة لتنظيم "القاعدة" تخطط لاستهداف القوات الدولية، توازت وتقاطعت مع تصريحات متوعدة على طرفي الحدود بقاسم مشترك واحد هو التصويب على قرار مجلس الأمن 1701، بالمواقف والممارسات، وبمصلحة مشتركة واحدة هي تغيير قواعد الاشتباك التي تحكم الوضع في الجنوب منذ ما بعد حرب تموز 2006، بهدف تحويل الأنظار عن الداخل وخلق واقع جديد في الجنوب يسهم في تغيير قواعد اللعبة من خلال عملية يمكن ان تقوم بها اسرائيل تعتبرها ضرورية لتخفيف الضغط الدولي عليها.
"حزب الله" بين التوتر والاستنفار
قبل يومين، حذر الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله من أن "الخطاب الإسرائيلي يروج لاستهداف جديد للبنان يريدون من ورائه استئصال المقاومة منه"، وأكد في المقابل أن "الخيار سيكون واحدًا وهو المقاومة"، فيما كانت تل أبيب وفي سياق حملات التشويش التضليلية، "تشتكي" على لبنان أمام الأمم المتحدة!، رافعة الصوت من أجل الضغط باتجاه تعديل قواعد الاشتباك الخاصة بالقوات الدولية.
وكانت مصادر مقربة من "حزب الله" كشفت لـ "الوطن" الكويتية قبل أيام أنّ "الحزب ضاعف منذ الاول من حزيران الماضي من احتياطاته واجراءاته الامنية، وقد وضع قواه العسكرية والامنية في حالة تأهب تحسبا لهجوم اسرائيلي يرى انه متوقع على خلفية تصريحات مستشار الامن القومي الاسرائيلي عوزي أراد الذي دعا فيه حكومة بنيامين نتنياهو الى خلط الاوراق في المنطقة مجددا ووضع خطة عمل لمواجهة الضغوط التي يمارسها الرئيس باراك أوباما فيما يخص القضية الفلسطينية".
خلية "القاعدة".. ملاحظات مشروعة
بموازة ذلك، كشفت مديرية المخابرات في الجيش عن توقيف شبكة أصولية إرهابية مؤلفة من عشرة عناصر من جنسيات مختلفة، كانت تخطط، من جملة ما تهدف اليه، إلى "رصد قوات "اليونيفيل" والجيش اللبناني تمهيداً للقيام بعمليات إرهابية ضدها".
وعُلم أن زعيم هذه الشبكة سوري الجنسية، وقد تم العثور بحوزته على ستة جوازات سفر مزورة، وفي المعلومات أيضاً أن هؤلاء "خططوا للعديد من الهجمات ضد مجموعة واسعة من الاهداف"، وأكثر من ذلك أنهم اتخذوا من المناطق المسيحية مقراً لهم.
وقبل قراءة ما اذا كانت "القاعدة" قررت فعلا الدخول على الساحة اللبنانية من بوابة الجنوب، ثمة ملاحظتان على بيان قيادة الجيش، الأولى: أنه جاء بعد تعرض "اليونيفيل" لاعتداء منظم بتغطية من جهة حزبية مما قد يتيح "إلصاق" أي اعتداء قد تتعرض له "اليونيفيل" لاحقاً بالقاعدة.
والملاحظة الثانية، ولعلها الأهم، وهي أنه وبحسب البيان فإن عناصر هذه الخلية "من جنسيات عربية مختلفة"، بما يشير الى أن الجسم السني اللبناني، بات محصناً ضد فتنة التطرف، وأقرب الى مزاج الاعتدال الذي هو "أصل"، بما يناقض ما جرى الترويج له لفترات بهدف الابتزاز والضغط وعلى أساسه تمّ توقيف المئات بتهمة الإرهاب.
لكن التحدي قائم..
لكن هل يعني هذا الكلام تبرئة لـ "القاعدة" من العمل أو التوجه للعمل انطلاقاً من لبنان؟ وهل هي بصدد تحريك خلاياها النائمة في هذا البلد، ولأي أهداف؟
للتذكير، فقد سبق أن أطل الرجل الثاني في "القاعدة" أيمن الظواهري على الشأن اللبناني مرتين محرضاً على القوات الدولية وعلى القرار 1701، مرة دعا "الجيل الجهادي الى طرد القوات الغازية الصليبية التي يزعمونها قوات حفظ سلام" (نيسان 2008)، ومرة وصف القرار الدولي بأنه "مذل للمسلمين" (أيلول 2006).
لكن الواضح من تتبع مسارات الخطاب "القاعدي" ومن بعض الوقائع والأحداث، ان لهذا التنظيم خلايا في لبنان، لكنه لم يقرر إطلاقها بعد، لأنه لم يقرر أساساً العمل في لبنان لأسباب عدة قد يكون أبرزها أن ما يعتبره عملاً جهادياً إذا انطلق من لبنان فإنه محكوم بأن يكون تحت الرعاية الايرانية، أي الاشراف المباشر من "حزب الله" تنسيقاً وتوقيتاً للعمليات وغيرها. وهو الأمر الذي لم تستسغه "القاعدة" الى الآن نتيجة القطيعة مع الحزب على أساس مذهبي وفكري؛ وإن كان ذلك لا يلغي حقيقة أن عمليات تبادل مصالح واسعة تجري بين هذا التنظيم وإيران التي تحتجز عدداً كبيراً من قيادات التنظيم في إقامة جبرية لديها، للإفادة منها في ساحات العراق وأفغانستان …
على أن ذلك لا يلغي أيضاً احتمال استهداف قوات "اليونيفيل"، تحت مسميات "قاعدية" وان لم يكن بأيدي عناصرها، وبالتالي يمكن "تغطية" أي عمل ارهابي عبر "تحمّل" إلصاقه بالقاعدة. وهو الأمر الذي يقود الى طرح تساؤل مشروع، من هي الجهة او الجهات المنزعجة من القرار 1701، ومن يريد تغيير قواعد عمل "اليونيفيل"، وكيف سينتهي المسار التصاعدي للتوتير القائم حالياً، إلى انفجار يخلط الأوراق من جديد ويعيد ترتيب اللعبة محلياً واقليمياً ودولياً، أم غيره من احتمالات؟
الموقف اللبناني والشرعية الدولية
من نافل القول إن موقف لبنان الرسمي الرافض لأي تعديل في القرار الدولي 1701، معبراً عنه بموقفي رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري لناحية تأكيد التزام لبنان الكامل بالقرار 1701، وبالدور الذي تقوم به قوات الطوارئ بالتنسيق مع الجيش اللبناني لتثبيت الأمن والاستقرار في الجنوب، ورفض محاولات اسرائيل الهادفة إلى تعديل أو تغيير هذا الدور، هو موقف يتماهى مع الشرعية الدولية.
لكن ذلك يعني أيضاً أن على الاسرة الدولية، ومن دون أي تأخير، واجب التحرك سريعاً واتخاذ خطوات ضرورية للحيلولة دون إدخال لبنان في دوامة عنف جديدة، من خلال تفعيل قراراته المتعلقة بهذا البلد، وفي مقدمها القرار 1701، وخصوصاً تلك الفقرات المتعلقة بحظر تدفق الأسلحة والمسلحين باتجاه لبنان، ووضع مزارع شبعا تحت الوصاية الدولية في مرحلة انتقالية قبل بسط السيادة اللبنانية عليها بعد حسم "لبنانيتها"، وهو الأمر الذي يسحب كل الذرائع والحجج لاستمرار التوتر في الجنوب و"يحرر" أرضاً عربية من الاحتلال.