إذا كانت المعارضة تريد المشاركة وليس المشاكسة
لماذا لا تحدّد المواضيع التي يتطلّب إقرارها التوافق؟
هل صحيح ان الاقلية المعارضة تريد المشاركة الوطنية الحقيقية في الحكومة ام انها تريد المشاكسة ليس باصرار البعض على "الثلث المعطل" فحسب، بل بعدم اعطاء الرئيس سليمان الصوت الوازن؟
تقول اوساط سياسية مراقبة ان الاقلية المعارضة اذا كانت تريد حقا المشاركة في الحكم وليس المشاكسة والمناكفة، فما عليها الا ان تحدد المواضيع التي يهمها ان يصير اتفاق عليها كي تدرج في البيان الوزاري، حتى اذا لم يتم التوصل الى هذا الاتفاق بادرت هي الى الاعتذار عن عدم المشاركة، وهو ما كان يحصل في الماضي عندما كان يجري البحث في تشكيل حكومة ائتلافية، لا بل كان مرشحون لدخول الوزارة يضعون شروطهم سواء بالنسبة الى ما لديهم من مشاريع يعتبرونها اصلاحية في الوزارة او الوزارات التي ستسند اليهم، او انهم يصرون على اسناد وزارات معينة اليهم ولا يحصلون عليها، فيبقون عندئذ خارج الحكومة ويقررون موقفهم منها، اما في ضوء ما يتضمنه البيان الوزاري او في ضوء حساباتهم الشخصية.
لكن ما يحير الاوساط نفسها هو ان بعض الاقلية المعارضة يصر على ان يكون له "الثلث المعطل" او التمثيل النسبي من دون ان يحدد المواضيع التي يرى ان الموافقة عليها يحتاج الى توافق والا تعطل اقرارها بواسطة هذا "الثلث" وعندما لا يتم تحديد هذه المواضيع، فمعنى ذلك ان الحكومة ستكون قراراتها معرضة للتعطيل حول اي موضوع حتى ولو كان عاديا، وهذا ما حصل مع حكومة تصريف الاعمال الحالية التي عجزت عن اجراء التعيينات الضرورية في الاسلاك الادارية والديبلوماسية والامنية والعسكرية ولم تتمكن حتى من اقرار مشروع الموازنة لان الوزراء الذين يمثلون الاقلية المعارضة ربطوا اقرارها بسلة مطالب ومنها الاتفاق على موازنة مجلس الجنوب وكذلك الاتفاق على بعض التعيينات المثيرة للخلاف، وهي لا تزال حتى الآن معطلة ويشغل الوظائف بها موظفون بالوكالة او بالتكليف، فاذا تكرر الشيء نفسه مع الحكومة العتيدة، فان الناس سيصابون بالخيبة والاحباط خصوصا عندما يتأثر وضعهم المعيشي والاجتماعي والمالي بوجود حكومة مشلولة وغير منتجة، كما انهم سيشعرون بان جهودهم التي بذلوها في الانتخابات النيابية لاحداث التغيير المطلوب وتغليب خط سياسي على خط آخر قد ذهبت سدى…
لذلك، فان المشاركة في الحكومة هي مشاركة حق عندما تتمثل كل القوى السياسية الاساسية في البلاد في الحكومة وكل المذاهب وهو ما نص عليه الدستور والا كانت الحكومة من دون هذا التمثيل غير ميثاقية وغير شرعية.
لكن المشكلة التي تواجهها عملية تأليف الحكومة ليست في تحقيق هذه المشاركة الايجابية، انما في اقلية معارضة تريد ان تسمي ممثليها في الحكومة والحقائب وان يكون لها في هذه الحكومة "الثلث المعطل" او التمثيل النسبي ليس في المواضيع الاساسية التي حددها الدستور وعددها 14 بل في كل موضوع ترى المعارضة وجوب تعطيل اقراره اذا لم تكن موافقة عليه. فقد تطلب مثلا من قبيل التعجيز زيادة الرواتب والاجور بنسبة عشرين في المئة مثلا ومع علمها ان وضع الخزينة عاجز عن اعطاء هذه الزيادة، فيكون هذا المطلب سببا لتعطيل اقرار مشروع الموازنة لاعتبارات سياسية لا علاقة لها بالزيادة المقترحة ولا لتبرير هذا التعطيل.
لقد كانت الحكومات في الماضي تضم القوى السياسية الاساسية وكل المذاهب في البلاد باختيار الافضل والاصلح والاكفأ لهذه الحقيبة او تلك ولم تكن الاحزاب والتحالفات والكتل هي التي تسمي ممثليها والحقائب كما هو حاصل اليوم وكانت التعددية داخل كل مذهب تسهيلا لذلك وليس الحصرية كما في بعض المذاهب مع ان تمثيل المذاهب في زمن الوصاية السورية لم يكن تمثيلا صحيحا اذ كان يؤتى بممثلين عن بعض المذاهب من الصف الثاني او الثالث. اما الآن فان كل مذهب يريد ان يتمثل من زعماء الصف الاول او بمن تسميه الطائفة او الحزب، والا لكان في الامكان تمثيل كل المذاهب والقوى السياسية الاساسية بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بحسب الدستور لانهما يتحملان في اختيار الوزراء مسؤولية مواجهة مجلس النواب بطرح الثقة، فاذا لم يكن هذا الاختيار موفقا فان الحكومة قد تتعرض لحجب الثقة، وهذا مهين لمقام رئاسة الجمهورية ولمقام رئاسة الحكومة.
ولو ان الاقلية المعارضة تريد حقا المشاركة او الشراكة الوطنية الايجابية في الحكومة لما كانت تفرض اسماء الوزراء الذين يمثلونها والحقائب، ولما كانت تصر على "الثلث المعطل" او التمثيل النسبي مع ان مجرد انسحاب وزراء "التحالف الشيعي" يكون كافيا لجعل الحكومة غير ميثاقية، وغير شرعية كما حصل مع حكومة الرئيس السنيورة، خصوصا ان هذا "التحالف" لا يقبل ان تتمثل الطائفة الشيعية الا بمن يسميه من اعضائه، خلافا لما كان تمثيلها يتم في الماضي فاذا لم يكن من آل حماده، فانه يكون من آل الاسعد، واذا لم يكن من آل الاسعد فانه يكون من آل عسيران او من آل الخليل او آل الحسيني. وما دام التحالف الشيعي" يحتكر تمثيل الطائفة، فان اي موضوع يطرح في مجلس الوزراء ولا يكون مقبولا من وزراء هذا التحالف يجعلهم يهددون بالاستقالة اذا لم يتم التوافق عليه… وهذا يكفي ليكون البديل من "الثلث المعطل".
لكن يبدو ان المطالبة بـ"الثلث المعطل" ليس تحقيقا للمشاركة الوطنية الحقيقية، كما تدعي الاقلية المعارضة لان هذه المشاركة نص عليها الدستور والا كانت الحكومة غير ميثاقية وغير شرعية. انما طلب هذا "الثلث" ليس للمشاركة التي لا مناص منها بموجب الدستور انما لتعطيل عمل الحكومة كلما عنّ على بال من هم وراء "الثلث المعطل" ذلك، لا بل في الاستطاعة بوجود هذا "الثلث" تعطيل جلسات مجلس الوزراء او بتغييب وزرائه عن حضورها، وفرض المشاريع التي تريدها الاقلية المعارضة على جدول الاعمال تحت طائلة التهديد بافقاد النصاب او بالاستقالة التي تجعل الحكومة مستقيلة برمتها، وهو ما لا يحققه تمثيل مذهب واحد، والا لكان تمثيل "التحالف الشيعي" في الحكومة كافيا وبديلا من "الثلث المعطل" عندما يستقيل جميع وزراء هذا "التحالف" وهي استقالة لا تتم من اجل مواضيع عادية بل من اجل مواضيع مهمة في حين يستطيع "الثلث" تعطيل اقرار المواضيع بدون اللجوء الى الاستقالة.