انعكاسات العراقيل الخارجية على التعقيدات الداخلية في تشكيل الحكومة
ثمة نظرية تقول إن الضغط في اتجاه التهدئة عائدٌ الى ان المعنيين بالتشكيلة الحكومية يتحاشون الدخول في أي تصعيد حفاظاً على جو الاستقرار وتوفيراً للهدوء لموسم الصيف خصوصاً ان عشرات الآلاف من السيّاح والمصطافين هم من الأشقاء العرب الذين بحركتهم السياحية يضخّون المال الوفير ويُنعشون الدورة الاقتصادية في البلد وهي الدورة التي باتت تقوم على السوق العقارية والسياحة والاصطياف.
* * *
للوهلة الأولى يبدو هذا الكلام صحيحاً لكنه ليس كافياً وغير دقيق مئة في المئة، والسبب في ذلك ان لبنان بلد )الفصول والمواسم) وكل فصل فيه أو موسم تلزمه التهدئة أيضاً، فما ان يشارف موسم السياحة على الانتهاء حتى يبدأ شهر رمضان المبارك الذي يحتاج الى تهدئة أيضاً، وبعده يبدأ التحضير لأعياد الميلاد ونهاية السنة التي بدورها تحتاج الى تهدئة، في هذه الحال متى يتم العمل السياسي?
وهل هو مرتبط بدوام معيَّن?
* * *
ان التهدئة في لبنان مطلوبة بصرف النظر عن المواسم والفصول، كما ان العمل السياسي يجب ألاّ يكون مرتبطاً بظرفٍ معيّن أو بدوام محدَّد، وجوهر الموضوع ان في لبنان أزمة ويجب العمل ليلاً ونهاراً من أجل معالجتها.
هناك نوعان من الأزمات:
نوعٌ يصعب تشخيصه وبالتالي يتم ايجاد الحلّ الخطأ له، ونوعٌ معروفٌ تشخيصه لكنه يحتاج الى جرأة لايجاد الحلّ الملائم له، في واقع الأزمة اللبنانية الراهنة التشخيص معروف وهو ان قوى 8 آذار والمعارضة تريد الثلث المعطِّل في الحكومة وان قوى 14 آذار والأكثرية ترفض اعطاء هذا الثلث، حجة قوى 8 آذار والمعارضة في طلب الثلث المعطِّل انها لا تأمن الأكثرية وانها لا ترى ضمانة لها إلاّ في هذا الثلث، وحجة قوى 14 آذار والأكثرية في رفض اعطاء الثلث انه مطلب غير دستوري وان الضمانة يُعطيها الشعب والناخبون، وقد جرت الانتخابات النيابية واختار الشعب ان يُعطي ثقته للأكثرية، أما طلب الضمانة مجدداً فيجب أن ينتظر أربع سنوات للانتخابات النيابية المقبلة.
ما يجري اليوم هو ان الأقلية كأنها تريد أن تقول:
ربحتم الانتخابات لكننا نريد أن نشارككم في الربح وبشروطنا.
هذا (المنطق) ليس له من توصيف سوى (الابتزاز السياسي)، وفي مقابله يُفتَرَض بقوى 14 آذار وبالأكثرية أن تخرج من منطق الدفاع الى منطق المبادرة، فإذا بادرت بنجاح ومن دون أي (دعسة ناقصة) كان الرأي العام الى جانبها وهذا ما يُعيق أي تحرّك شعبي مضاد اعتراضاً على مبادرتها.
على رغم تأثير التعقيدات الداخلية وحدّتها وقدرتها على عرقلة انضاج التشكيلة الحكومية فإن الاعتبارات الخارجية ما زالت تُلقي بثقلها ولا سيما منها عدم التقدُّم على خط السعودية ـ سوريا، لذا فإن المعنيين بتشكيل الحكومة، مع عدم استخفافهم بالعوامل الداخلية فإنهم ينتظرون أن يتعبَّد الخط السعودي ـ السوري وعندها تهبّ رياح التأليف.