#adsense

الدستور: ضحية بدعة الديمقراطية التوافقية

حجم الخط

الدستور: ضحية بدعة الديمقراطية التوافقية
المحامي جورج ابو صعب

في خضم عجقة المبادرات الانفتاحية والمشاورات السياسية والطروحات والاقتراحات لتأليف الحكومة – ثمة مفارقة واحدة سلبية الطابع والمضمون لا تزال تتحكم في كل هذا الحراك السياسي الا وهي : تجاهل الدستور وبالتالي ضرب النظام الدستوري الذي ارساه الطائف رغم كل النفي الصادر من اكثر من طرف في المعارضة .

فلو كانت المعارضة ملتزمة بالدستور لما كانت طالبت بنصيب في الحكومة يصل الى الثلث المعطل او الى النسبية – لان الثلث المعطل في الدستور وفي اتفاق الطائف كما النسبية لا مكان لهما في النظم الدستوري الحالي – ولان الكلام عن الرغبة في استكمال الطائف الصادر من بعض اوساط اركان المعارضة ومن بينهم اوساط العماد ميشال عون تنفيه المطالبة بالنسبية في الحكومة .

فالديمقراطية التوافقية لم ينص عليها الطائف ولا الدستور – بل هي بدعة سياسية المصدر والمنشأ والاهداف – لان الديمقراطية اما ان تعتمد قواعد الفصل بين الاكثرية والاقلية واما ان لا تكون – فلا يمكن الجمع بين مصطلح الديمقراطية الدستورية وبين مفهوم الديمقراطية التوافقية السياسية لان الاول يبطل مفاعيل الاخر والعكس صحيح .

من هنا نرى ان المعارضة او الاقلية النيابية تحاول اليوم من خلال ابداء الاستعداد للمشاركة ولكن على اساس البدع والهرطقات الدستورية انما تحاول الهروب الى الامام والظهور بمظهر المتعاون والمنفتح على الاخر حتى اذا رفض هذا الاخر تلك المطالب والهرطقات – تذرعت الاقلية لاحقا بذلك لتحاول رمي مسؤولية فشل الحوار والانفتاح على فريق الاكثرية .

لذلك نرى انه ان الاوان ان نعلن كاكثرية الالتزام الكامل والشامل بالطائف وبالدستور – ولا نخشى السير في هذين النصين كما جاءا دون اي تعديل او مساومة او مواربة – لان من يقبل اليوم بتعديل واقعي للنصوص وموافقة ضمنية على التعديل – سيصبح غدا اسير مواقفه وتنازلاته وستصبح الاقلية في وضع من يستطيع التطلب اكثر وفرض طروحات اكثر مستشهدة بسابقة من هنا وسابقة من هناك .

الدستور كما الطائف تكلما عن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين وليس عن المناصفة او المثالثة او المرابعة بين المسلمين انفسهم او بين المسيحيين انفسهم او بين المسلمين والمسيحيين – وبالتالي المناصفة المقصودة دستوريا هي المناصفة التي تعني التوافق وليس الديمقراطية التوافقية بين مذهب واخر ضمن الطائفة الواحدة او ضمن طائفتين .

والدستور كما الطائف اناط بثلثي اعضاء مجلس الوزراء التقرير في قضايا الحرب والسلم – وهذان الثلثان نصاب دستوري تشرك الاقلية فيه ولكن ليس على اساس التعطيل او الصوت الوازن بل على اساس بناء توافق على الموضوع المصيري اسوة بقضايا اخرى نصت عليها المادة (65) من الدستور كتعديل الدستور واعلان حالة الطوارئ والغاؤها والتعبئة العامة وقانون الانتخابات وقانون الجنسية وتعيين موظفي الفئة الاولى وما يعادلها وسواها من مواضيع مصيرية كبرى – ما يعني ان الدستور لم يؤسس لا لثلث معطل ولا لنسبية ولا لمثالثة ولا لاية بدعة من البدع التي تصدر عن الاقلية.

كما ان الطائف والدستور في المادة (24) تكلما عن توزيع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين ونسبيا بين طوائف كل من الفئتين ونسبيا بين المناطق : ما يعني ان الدستور لم يكرس الا نسبية برلمانية واحدة وهي النسبية بين المذاهب لكلا الفئتين الطائفيتين الكبيرتين وليس بين القوى الممثلة لنفس الطائفة او نفس المذهب – كما يطالب العماد عون مثلا .
كما ان لا نسبية في مجلس الوزراء بصراحة النص في الطائف والدستور .

والجدير الاشارة اليه ان المطالبة بالمشاركة الشاملة لكافة القوى السياسية في الحكومة هو ايضا هرطقة دستورية في المفهوم العام لمبدأ الفصل بين السلطات لان مشاركة الجميع في الحكومة يعني عمليا وبالتالي دستوريا تعطيل دور المجلس النيابي الذي لن يعود بامكانه الا التصديق على ما يتفق عليه الوزراء داخل مجلس الوزراء كونهم يمثلون الكتل النيابية في البرلمان – فتتحول السلطة الفعلية بيد مجلس الوزراء وتنسحب على السلطة على قدرة البرلمان في المحاسبة والمراقبة والتشريع – فتنقلب عندها الادوار والصلاحيات ونقع في ظل نظام دستوري مجلسي وليس برلماني جمهوري – فضلا عن خرق هذا النوع من التأليف للحكومة لمبدأ الفصل بين السلطات بحيث نصبح امام خلط بين السلطات وذوبان سلطة في سلطة اخرى.

فمن يستطيع مثلا حل مجلس النواب بطلب من رئيس الجمهورية عملا بصلاحيات المادة (65) من الدستور وكيف يمكن لحكومة ان تقبل بحل كتلها ؟ ففي هذه الحالة نصبح امام احدى اوجه محاصرة رئيس الجمهورية وسحب احدى صلاحياته الدستورية الاساسية في حال الخلاف بينه وبين البرلمان بصرف النظر عن مدى تحقق او عدم تحقق حالات المادة (65) التي تعطي الرئيس هذه الصلاحية في الطلب من الحكومة حل المجلس .

والطائف كما الدستور حددا مفهوم التوافق في قرارات مجلس الوزراء بحيث نص الدستور على اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء توافقيا – واردف النص متحسبا لامكانية تعذر التوافق – باللجؤ الى التصويت في حال تعذر التوافق .

فهذا النص ان دل على شيء هام فانما يدلنا الى امرين اساسيين :

– الامر الاول : صيغة المقصود بالتوافق – بحيث ان التوافق في نظر الدستور ومن خلاله الطائف هو القاعدة- تماشيا مع طبيعة التكوين السياسي والتعددية الطائفية والمذهبية الموجودة في التركيبة اللبنانية – فالنص يحفظ للبنانيين توافقهم .

– ولكن بالموازاة لا يجعل من التوافق قدرا محتوما على اللبنانيين وهنا الاهم: لان النص الدستوري لو اراد جعل التوافق اداة الحكم الوحيدة او اسلوب الحكم الاوحد لما اعطى امكانية التصويت في حال تعذر التوافق .

لذلك يجب على من يحاول ان يفسر التوافق في الدستور على انه نواة ديمقراطية توافقية ليبني عليها اطروحاته وهرطقاته ان لا ينسى ان الدستور نفسه شرع وقونن امكانية التصويت لان التوافق ليس قدرا محتوما لا خيار اخر له في الحكم بحرفية ووضوح النص الدستوري .

وبالتالي ان التشديد على التوافق دون حق الاختلاف يسقط في مكان ما الدستور ويخالفه مخالفة واضحة .

والطائف كما الدستور في المادة (95) منه ومن ضمن اليات الغاء الطائفية السياسية – التي هي مطلب الجميع وبخاصة الاقلية كرس التمثيل الطائفي العادل في تشكيل الوزارة – ما يعني ان الدستور وحتى لالغاء الطائفية السياسية يعتمد المعيار الطائفي وليس معيار القوى السياسية ولو ان قسما كبيرا منها يمثل اليوم كل طائفته – الا ان المفيد التنبه الى ان الطائف كما الدستور لم يكونا في وارد القبول باختزال القوى السياسية كلا منها طائفة او مذهب – الامر الذي يطرح مشروعية ودستورية تعيين وزراء من مختلف الطوائف دون الحاجة لان يكونوا من حزب او تيار معين – لان الاصل تمثيل الطائفة وليس القوى السياسية الطائفية .

وتبقى الاشارة الى نقطة هامة في سياق بحثنا الحالي : فقد نصت المادة (69) من الدستور في الفقرة (ب) منها على اعتبار الحكومة مستقيلة في حال فقدانها اكثر من ثلث اعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها – فالثلث المعطل التي تطالب به بعض المعارضة علنا والبعض الاخر خفية يقع ايضا في هذ الخانة اي ان الثلث المطلوب ليس لتأمين المشاركة بقدر ما هو لتأمين اداة اسقاط حكومة الاكثرية عندما تقرر الاقلية ذلك – ومن هنا تأتي خطورة الثلث المعطل اي الثلث + 1 لانه من لحظة انسحاب وزراء الاقلية الذين يتمتعون بالثلث المعطل تسقط الحكومة وتسقط الاكثرية الحاكمة في السلطة التنفيذية والاجرائية .

من هنا الحاجة الى رفض اي صيغة حكومية تعطي الاقلية اكثر من الثلث ومن هنا اهمية تصويب خطاب الاكثرية لاظهار السند الدستوري الذي على اساسه تعتبر الثلث الذي تطالب به الاقلية ثلثا معطلا لا بل مسقطا للحكومة بكاملها .

وبعد

وكقانونيين ودستوريين ينتابنا القلق والخوف على الدستور والنظام برمته – فهل نضحي بالدستور لحساب التفاهمات ونسقط مجددا في لعبة التكاذب والمساومات ام نرفع لاول مرة وحتى النهاية شعار حماية الدستور واحترامه احقاقا لعبورنا الحقيقي الى دولة القانون ؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل