#adsense

تأليف الحكومات لم يعد خاضعاً لنتائج الانتخابات النيابية !

حجم الخط

لأن التكتلات المذهبية تنقل لبنان الى "الديموقراطية التوافقية" ومنها الى "الفيديرالية"
تأليف الحكومات لم يعد خاضعاً لنتائج الانتخابات النيابية !

هل يمكن القول إن لبنان بدأ يخرج من نظام "الديموقراطية العددية والتعددية" الى نظام آخر غير مكتوب هو نظام "الديموقراطية التوافقية" الذي قد يشكل جسر عبور الى "فيديرالية او كونفيديرالية الطوائف" ومن دستور الطائف الى دستور آخر لم تظهر معالمه بعد؟
إن ما يطرح هذا الوضع هو تساؤل جمهور 14 آذار باستغراب لماذا كانت الاكثرية التي تنبثق من الانتخابات النيابية هي التي تحكم والاقلية تعارض، وما الذي تغير في التركيبة اللبنانية السياسية والطوائفية حتى باتت الاكثرية عاجزة عن تأليف حكومة منها بدون مشاركة الاقلية اذا لم يحصل اتفاق وتفاهم بينهما على برنامج عمل واحد؟ هل هو وجود ثغر في دستور الطائف تمنع انتظام العمل الحكومي والبرلماني، أم هي أزمة نظام أم أزمة حكم أم أزمة رجال؟

لقد ظلت الاكثرية تحكم والاقلية تعارض منذ عام 1943 الى حين انتخاب سليمان فرنجيه بصوت واحد رئيسا للجمهورية، وبعد ذلك أخذ بعض التعديلات الدستورية التي أقرت عام 1990 يتعرض للتأويل والتفسير في غياب مرجع يفصل في ذلك عدا أن دستور الطائف لم يطبق في شكل كامل، فواجه لبنان حينا فراغا حكوميا وحينا آخر فراغا نيابيا ورئاسيا، خصوصا بعد غياب سوريا عن القرار في لبنان مع انتهاء وصايتها عليه، الامر الذي أعاد الصراع الداخلي حول السلطة وهو صراع طائفي اكثر منه سياسي وصراع بين طرف مسلح أقوى من طرف آخر بل أقوى من الدولة ذاتها. وأصبح لبنان يعاني من تجاذب حكم دولتين وخلافا بين اللبنانيين على الخيارات. أهو خيار المقاومة أم خيار الحياد الايجابي؟ أهو خيار النظام "الديموقراطي العددي والتعددي" أو خيار النظام "الديموقراطي التوافقي" الذي بات طرف لبناني يعتبره ضرورة للاستقرار السياسي والامني والاقتصادي، لأن النظام الاكثري بات يعني تسليم السلطة لجماعة وسلبها من أخرى، لأن هذا النظام لم تعد أكثريته كما في الماضي أكثرية وطنية سياسية تتألف من كل المذاهب والمناطق، وتسود التعددية في كل مذهب حتى اذا لم يتمثل زعيم من مذهب في الحكومة فان هذا المذهب يتمثل بزعيم آخر، وهي حالة انتهت الآن بعدما زالت التعددية لا سيما في الطائفة الشيعية وباتت الاكثرية يغلب عليها الطابع الديني والمذهبي بحيث تبقى أكثرية ما لم يغير بعض من تتألف منها دينه ومذهبه، وهذا مستحيل خلافا للأكثرية السياسية التي تتغير وتصبح أقلية وهذه من حسنات النظام الديموقراطي العددي والتعددي وإن كان تطبيقه يتطلب وجود مجتمع متحد ومتجانس.

ومن يؤيد تطبيق الديموقراطية التوافقية بحكم الضرورة وبحكم تركيبة لبنان الطوائفية يرى أنه افضل ان يصير توافق على اتخاذ القرارات ولا سيما في المواضيع المهمة وإن طال الوقت لاتخاذها، من أن تتخذ بدون توافق وتصويت الاكثرية المطلوبة فيحدث اتخاذها فتنة كما حصل في 7 ايار.

لكن من لا يؤيد اعتماد هذه الديموقراطية البطيئة والمشلة لسير عجلة الدولة يرى أن ما أخلّ بتطبيق النظام الديموقراطي العددي هو غياب التعددية داخل بعض الطوائف وتحديدا الطائفة الشيعية، التي أقامت تحالفا من حزبين بارزين هما: "حزب الله" وحركة "أمل" ويمثلان اكثر من 80 في المئة من الشيعة، وهو بالاضافة الى هذا التمثيل الواسع، فانه تحالف ثنائي مسلح يستطيع أن يحتكر التمثيل في أي حكومة لنفسه ويرفض أن يتمثل بسواه الا بموافقته. وهذا الوضع يشكل أكبر عقدة عند تشكيل الحكومات، فإما ان يقبل الرئيس المكلف شروط هذا التحالف الشيعي مهما تكن صعبة، وإن هو قبل بها فإن تحالفات أخرى قد لا تقبل بها فتواجه البلاد عندئذ أزمة وزارية مستعصية قد تتحول أزمة حكم. واذا رفض "التحالف الشيعي" ان يتمثل في الحكومة بسواه من الزعماء الشيعة، ويعتبر ان الطائفة لن تكون ممثلة من دونه، فان أي حكومة لا تتمثل فيها كل المذاهب تكون حكومة غير شرعية وغير ميثاقية، واذا صدرت عنها قرارات غير مقبولة، فان "التحالف الشيعي" الذي لا يشكل أكثرية في مجلس النواب لمحاسبة الحكومة على قراراتها ولا الثلث المعطل داخل الحكومة قد يلجأ الى الشارع ليقوم بتظاهرات واعتصامات واضرابات وربما بأعمال عنف، لان المعيار في ميزان القوى لا يعود الدستور ولا النظام الديموقراطي ولا المؤسسات، انما الشارع… وهو ما يضع لبنان أمام ديموقراطية جديدة هي الديموقراطية التوافقية، التي لم تكن واردة من قبل لأن الاكثرية كانت تحكم والاقلية تعارض، وأن هذه الاكثرية كانت تتألف من كل المذاهب لأن التعددية كانت داخل كل مذهب ولم تكن الفردية هي التي تحتكر تمثيل الطائفة كما هي الحال اليوم.

لذلك، فان عقدة تأليف الحكومة العتيدة لا تحل بمجرد التخلي عن "الثلث المعطل" سواء تم ذلك بتدخل سوري لقاء ثمن تقبضه او لقاء سلفة تعطيها اظهارا لحسن النية، او تم ذلك بارادة لبنانية ذاتية، فإن العقدة التي لا حل لها تبقى في "التحالف الشيعي" اذا كانت له شروطه التعجيزية لقبول المشاركة في الحكومة، وكانت هذه الشروط مرفوضة إن لم يكن من الرئيس المكلف، فمن القوى السياسية الاخرى.

وهب أن "التحالف الشيعي" تساهل في قبول مشاركته في الحكومة، فانه يبقى سيفاً مصلتاً فوق رأس الحكومة وقراراتها، بحيث انه اذا لم يكن قادرا مع من ينضم اليه من الوزراء لتعطيل القرارات، فانه يستطيع ان يهدد باستقالة وزرائه، واذا نفذوا تهديدهم، فقد يكون من الصعب تعيين بدائل عنهم، فتصبح الحكومة عندئذ غير ميثاقية وغير شرعية وتواجه ما واجهته حكومة الرئيس السنيورة… ويبقى "التحالف الشيعي" هو البديل الثابت من الثلث المعطل الذي قد لا يبقى ثلثا ثابتا في مجلس الوزراء بل قد يصبح أكثر او أقل حسب المواضيع المطروحة، انما العقدة هي في "التحالف الشيعي" الذي قضى قيامه على التعددية داخل كل مذهب. فاذا تكرّمت سوريا وساعدت على حل عقدة الثلث المعطل، سواء بثمن أو بدون ثمن، فان العقدة الباقية والتي لا حل لها هي عقدة "التحالف الشيعي" الذي يؤدي استمراره الى قيام تحالفات مذهبية مماثلة، تنقل البلاد عندئذ من النظام الديموقراطي العددي والتعددي الى النظام الديموقراطي التوافقي، ومنه الى نظام فيديرالي او كونفيديرالي طوائفي، وهذا يذكر أصدقاء العميد الراحل ريمون اده، الرجل الكبير النادر، بما كان يقوله لهم كلما اتصل بهم من منفاه الاختياري في باريس قبل وفاته بسنة "إن لبنان الذي تعرفونه قد انتهى"!! ش

المصدر:
النهار

خبر عاجل