#adsense

ما بين النهرين

حجم الخط

ما بين النهرين

ثمة فارق مهم بين ما يقوله الدكتور سمير جعجع حول احوال جنوب الليطاني، وما يقوله العماد ميشال عون. ففيما يحذّر جعجع من التلاعب بمصير هذه المنطقة بما يؤدي الى التلاعب بالمصير اللبناني بأسره، ينبري عون الى رفع الصوت كما فعل في اطلالته الاسبوعية الاخيرة، قائلاً: "لا يكلمنا احد على سلاح "حزب الله" ولا أي سلاح في لبنان!". والغريب ان الاخير اشعل لبنان في حربي "التحرير" و"الالغاء" دفاعا عن سلاح "الشرعية" وها هو اليوم وبعد نحو 20 عاماً يأتينا بنظرية الدفاع عن تعدد الاسلحة! ومما يثير الغرابة ان احد اعضاء تكتل قائد الجيش السابق النائب فريد الخازن هو صاحب الكتاب المرموق "تفكك اوصال الدولة في لبنان 1967 – 1976" حيث الجهد المميز في تبيان الاسباب والظروف التي ادت الى انهيار الهيكل اللبناني فوق رؤوس ساكنيه. ولا يزال اللبنانيون يتلمسون سبل التعافي من هذا الانهيار التاريخي.

بالطبع، لا تقتصر هذه المفارقة على جعجع وعون بل تمتد لتشمل المشهد السياسي عموماً في بلاد ما بين النهرين اللبنانية (ما بين الليطاني جنوبا والكبير شمالا). فوسط حفلة الزجل التي تدور رحاها منذ انفجار مخزن سلاح "حزب الله" في خربة سلم في 14 الجاري انهمرت اطنان من التبريرات التي تتكل على عدّاد الخروقات الاسرائيلية للقرار 1701. والخلاصة التي ينتهي اليها المبررون: مثلما يحق لاسرائيل ان تنتهك السيادة اللبنانية والدولية، لـ"حزب الله" حق مماثل في ان ينتهك السيادة اللبنانية والدولية! اما اذا قال قائل: يا قوم ان مخزن سلاح "حزب الله" هو في خربة سلم وليس في كريات شمونة او نهاريا او طبريا انبرت له ألسنة تعب اصحابها ولا يزال في شحذها واسبغت عليه كل نعوت الخروج عن الوطنية والاسلاموية.

كثيرون ممن يدفنون اليوم رؤوسهم في رمال سلاح المقاومة عاشوا واختبروا رمال السلاح الفلسطيني. والعجب العجاب أن جمهور "حزب الله" الاساسي، اي اهل الجنوب كانوا اكثر الذين دفعوا اثمان ذلك السلاح حتى كفروا به. وكاتب هذه السطور شاهد ايام دخول القوات الاسرائيلية احياء ما يسمى بيروت الغربية عام 1982 كيف خرج من بعضها من هم محسوبون اليوم على هذا الجمهور ليرش الارز على هذه القوات احتفاء بانتهاء حقبة سيطرة السلاح الفلسطيني حتى جاء زمن تبيّن فيه ان مصيبة ادهى حلت بلبنان.

وقائع ما دار الاربعاء في الجلسة المغلقة لمجلس الامن الدولي في نيويورك والتي ستدور غدا في المجلس تُبين ان حفلة الزجل في بلاد ما بين النهرين اللبنانية لا تأثير لها بتاتاً على المجتمع الدولي. فهنا المسايرة على مختلف المستويات تقريباً للقفز فوق القرار 1701. وهناك الكلام صريح وواضح في تسمية الاشياء بأسمائها وتحميل المسؤوليات لمن يجب أن يتحملها.

اذا كان لعون ان يساير "حزب الله" ويتجاهل كل ما فعله في ماضيه فهذا شأنه الذي يبرر له كل غرائب السلوك الذي ينتهجه منذ انتصار ثورة الارز عام 2005. اما مسايرة اهل الدولة ومن هم مؤتمنون على امرها لسلاح هذا الحزب فتلك هي المسألة التي تثير القلق. فليتذكر هؤلاء ان السلطة التي يتمتعون بها اليوم ليست ارثاً عائلياً لهم. وان سيادة القانون على جميع رعايا الدولة ليست ملكاً شخصياً يسمحون لمن يشاء بأن يتمتع بتجاوزه. وان القرار 1701 كلف لبنان عشرات الالوف من القتلى والجرحى ومليارات الدولارات من الخسائر المادية فلا يحق لمن يتولى مهمة حراسة تطبيقه ان ينسج الروايات حول مبنى مهجور وذخائر قديمة في خربة سلم! ليفهم هؤلاء ان شطارتهم في بلاد ما بين النهرين اليوم لا قيمة لها غدا في نيويورك. فحذار التلاعب مجدداً بهيكل الدولة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل