#adsense

سليمان حريص على تشكيل حكومة متجانسة

حجم الخط

لأنه يريد أن ينطلق عهده مع مجلس النواب الجديد
سليمان حريص على تشكيل حكومة متجانسة

اذا كانت السنة الأولى من ولاية الرئيس سليمان هي سنة اختبار لمرحلة انتقاله من قيادة الجيش الى قيادة البلاد، ومن مرحلة الانتقال من مؤسسة "نفذ ثم اعترض" الى مؤسسة أخرى "تعترض قبل أن تنفذ" فانه اكتفى في السنة الاولى بتعرفه الى طباع السياسيين وتصرفاتهم ليرسم خريطة الطريق لعمله الذي سيوصف به عهده كما وصفت عهود سابقة بأعمالها، فكان عهد الرئيس بشارة الخوري عهد الاستقلال وعهد الرئيس كميل شمعون عهد الازدهار وعهد الرئيس فؤاد شهاب عهد بناء المؤسسات.

ربما أن كل رئيس للجمهورية هو مسؤول مع الحكومات التي يتم تشكيلها عن سير عجلة الدولة لأن عملية التشكيل تتم بموجب الدستور بالاتفاق بينه وبين رئيس الحكومة المكلف، فانه لا بد أن يكون له رأي في اختيار الوزراء خصوصا لجهة كفايتهم ونزاهتهم لانها من عناصر نجاحهم في ادارة شؤون وزاراتهم. فالوزير النزيه يجعل النزاهة تعم كل الادارات والمصالح التابعة له، في حين يحصل العكس اذا لم يكن الوزير يتحلى بالصفات الحميدة.
واذا كان رئيس الجمهورية حرم بموجب دستور الطائف حق التصويت في مجلس الوزراء بحجة أن يبقى حكما ولا يحوله التصويت طرفا، فان الدستور نفسه جعله يستعيض عن هذا الحق بربط توقيعه مرسوم تشكيل الحكومة بموافقته على تشكيلها، وهذا معناه ان يكون الوزراء الذين تتألف منهم الحكومة مقبولين من رئيس الجمهورية ويحظون بثقته ويتمتعون بالكفاية التي توفر أسباب النجاح ليس لهم فقط انما للحكم بكل ركائزه وللعهد ايضا. وأنه اذا كان للقوى السياسية الاساسية في البلاد ممثلون لهم في الوزارة، وهي التي تتحمل مسؤولية اختيارهم، فان لرئيس الجمهورية حق تسمية عدد من الوزراء الذين يعتمد عليهم في تحويل الحكومة حكومة عمل وانتاج لا حكومة تعطيل وتسويف ومماطلة.

وعندما يكون لرئيس الجمهورية عدد من الوزراء يشكلون الصوت الوازن في مجلس الوزراء، فلا يعني ذلك ان الرئيس يصبح طرفا من خلال تصويتهم على المشاريع والقضايا المطروحة، بل يكون حكما يحسم الخلاف داخل مجلس الوزراء بين أكثرية وأقلية، والحكم ليس معناه أن يبقى متفرجا ولا يحكم لا مع هذا الطرف ولا مع ذاك بل ان يحكم بوحي من ضميره وبما تمليه عليه مصلحة البلاد.

ومن جهة أخرى أليس من الافضل أن يتحمل رئيس الجمهورية مسؤولية ان يكون حكما نزيها وعادلا بصوته الوازن من أن يضطر الى الطلب من مجلس الوزراء اعادة النظر في أي قرار من القرارارت التي يتخذها المجلس خلال خمسة عشر يوما من تاريخ ايداعه رئاسة الجمهورية (المادة 56)، والى حق طلب اعادة النظر في القانون ضمن المهلة المحددة كي يعيد مجلس النواب درسه في ضوء الاسباب الموجبة الواردة في طلب اعادة النظر فيه (المادة 57)؟

وبما ان رئيس الجمهورية لا يملك كل المعرفة والاختصاص في كل شؤون الدولة والمؤسسات ولا سيما في الشأن المالي والاقتصادي والزراعي والصناعي، ولأن الحكومة ليست مسؤولة وحدها عن أعمالها بل الحكم بجميع أركانه، خصوصا عندما يكون لرئيس الجمهورية الصوت الوازن الذي يجعله حكما يحسم الخلافات داخل مجلس الوزراء، فان من حقه، بل من واجبه أن يستعين بفريق عمل لكل عضو فيه اختصاص وخبرة في مجال معين حتى اذا وقع الرئيس مرسوما او قانونا او رده لاعادة النظر فيه الى مجلس الوزراء او الى مجلس النواب، فان رده سيكون استنادا الى دراسة علمية والى حيثيات يضعها الخبير المختص خصوصا اذا تشكلت حكومة معيارها الكفاية والنزاهة لضمان نجاحها، لأن الشعب لا يحمل الحكومة وحدها مسؤولية أي فشل او خطأ فادح، بل يحمله للحكم بجميع أركانه، بمن فيهم رئيس الجمهورية كونه رئيس كل السلطات ولا يتم تشكيل حكومة الا بموافقته.

وعندما يتم تنظيم المديرية العامة للرئاسة أو أمانة السر بتأليف فريق عمل او غرفة مستشارين فلا يعود يكتفي مكتب المراجعات وشكاوى المواطنين بتلقي الشكاوى والمراجعات بل يحيلها على الفرع المختص لمتابعة الاجراءات التي تتخذ في شأنها وابلاغها الى أصحاب الشكاوى، وأن يتولى قسم الصحافة والاعلام تحليل الاخبار الخارجية والداخلية ولا يكتفي بتلخيص الصحف والنشرات الاذاعية والتلفزيونية، وأن يتولى الفرع المختص وضع دراسة حول مشروع الموازنة ومختلف الشؤون المالية والضريبية والاقتصادية والتربوية، واقتراح الوسائل التي ينبغي اعتمادها لاطفاء الدين العام، ومعالجة أزمة الكهرباء، ولاقرار المشاريع الاصلاحية التي التزم لبنان الموافقة عليها عند حصوله على المساعدات في مؤتمر باريس 3.

وفي اعتماد هذا التنظيم تكون مؤسسة الرئاسة الاولى قد اكتملت وباتت مكملة للمؤسسات الاخرى ومتعاونة معها حتى اذا ما وقع رئيس الجمهورية مشروعا أو مرسوما اورده، فانه يكون فعل ذلك استنادا الى دراسات تجعله مسؤولاً عن توقيع ما يجب توقيعه ورفض ما يرى وجوب رفضه ليس لغاية في النفس او لخلفية سياسية انما استنادا الى دراسة موضوعية وعلمية ولخدمة المصلحة العامة.

الواقع أن قيام دولة الحق والقانون والمؤسسات هو الذي ينهي حكم دول الاشخاص، أو حكم الرجل القوي أو الرجل الضعيف، بل تصبح المؤسسات القوية وحدها هي التي تحكم في اطار الصلاحيات المحددة لها، وهي التي تجعل الحكم مسؤولية مشتركة بين الجميع باعتباره وحدة متكاملة لا تفرقة ولا تفريق بين أركانه ولا حساسية تتحكم بعلاقاتهم وممارساتهم فيتجاوز الناس عندئذ الكلام على قوة رئيس الجمهورية على حساب ضعف رئيس الحكومة او قوة رئيس الحكومة على حساب ضعف رئيس الجمهورية انما جعل قوة أي واحد منهما قوة للآخر وتاليا قوة للبنان والعهد بجميع أركانه، فاذا فشلوا تحملوا جميعهم مسؤولية الفشل، واذا نجحوا قطفوا جميعهم ثمار النجاح. فلبنان ليس في حاجة الى رجال أقوياء بقدر حاجته الى مؤسسات قوية، لأن المؤسسات الضعيفة تجعل كل رجل قوي ضعيفا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل