ثلاث أزمات إيرانية مصيرية قد تدفع طهران للهروب إلى الأمام.. وإسرائيل أيضاً تحاول الهروب من أزمتها مع أميركا
الجنوب تحت الضوء من الآن إلى نهاية العام
لا مبالغة في القول إن إيران تواجه هذه الأيام ثلاث أزمات "على الأقل".. وبالتزامن.
الأزمة الأولى هي التي يمكن وصفها بأنها "أزمة نظام" في الداخل. وهي أزمة "مفتوحة" في ضوء مجريات الأحداث، لا سيما منذ الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 12 حزيران الماضي، حيث لا يمكن التكهن بمآلاتها.
والأزمة الثانية هي التي يمكن القول إنها "أزمة دور" في الخارج.
وواقع الأمر هنا أن هذه الأزمة ناجمة عن عدة عوامل أهمها اثنان. العامل الاول هو إستعادة "النظام العربي" زمام المبادرة ليس فقط من زاوية الخطوات التي قطعت على صعيد إعادة ترتيب "البيت العربي"، بل من زاوية نجاح "النظام العربي" في رهن مساهمته في معالجة الأزمة المالية العالمية وتمويل تلك المعالجة بسير الدول المتضررة من تلك الأزمة ـ وأميركا في المقدمة ـ في عملية سلمية إقليمية جدية. أي أن "النظام العربي" نجح في الإستفادة من ربط "الأمن القومي الأميركي" ـ من مدخل اقتصادي ومالي ـ بالسلام في الشرق الأوسط. والعامل الثاني ـ بنتيجة الأول ـ هو مسارعة الولايات المتحدة الأميركية الى إطلاق "مبادرة سلام" أكثر جدية من كل المبادرات السابقة، بالضبط لأن لأميركا مصالح مرتبطة بالسلام. وبخلاصة العاملَين الآنفين، فإن الدور الإيراني الذي نهض على مصادرة الصراع العربي الإسرائيلي، مستغلاً فراغاً في الدور العربي من جهة وفراغاً في العملية السياسية من جهة أخرى، يواجه حالياً أزمة "مصيرية".
"أزمة إنحسار سياسي"
أما الأزمة الثالثة، فهي التي يمكن تسميتها بـ"أزمة إنحسار التمدد السياسي". فبين عدم فوز فريقها السياسي في تحقيق الغالبية في الانتخابات اللبنانية حيث كانت القيادة الإيرانية تراهن على "تغيير وجه المنطقة" إنطلاقاً من إنتخابات لبنان، وبين تراجع نفوذها السياسي في العراق، ثم بين خسارة حلفاء لها في انتخابات دول خليجية وبين ظهور ميول واقعية في فلسطين، لا شك أن إيران تشهد حالياً إنحساراً سياسياً. ويزيد من صعوبة الحد منه وقوع إيران في فخ الأزمة المالية العالمية وتراجع قدراتها التمويلية خارجياً من جهة ودخول مسألة تمويل حركات سياسية في الخارج ضمن السجال الداخلي على خط الأزمة الإيرانية المفتوحة من جهة أخرى.
الهروب الى الأمام.. إلى ضفاف المتوسط
وسط هذه الأزمات الثلاث أو وسط هذه الأزمة بفروعها الثلاثة، تواجه إيران إستحقاقاً دولياً داهماً يتمثل في الموعد الذي حدده لها المجتمع الدولي حتى أيلول المقبل للتجاوب مع مطالبه بشأن ملفها النووي تحت طائلة مواجهة عقوبات "قاسية".
في مثل هذه الأجواء والمناخات والمعطيات قد يقول قائل إن أمام إيران "خياراً إنكفائياً" أي الإنكفاء الى الداخل.
وقد يقول قائل آخر إن أمامها خياراً براغماتياً، هو أن تذهب مع المجتمع الدولي باتجاه تسوية ما تحفظ لها مصالح معينة. لكن قائلاً ثالثاً قد يقول إن في وسع إيران تجريب الهروب الى الأمام إستدراجاً لتفاوض "حامٍ" مع المجتمع الدولي وسعياً الى تحسين شروط التفاوض. وفي هذه الحالة، يبدو أن ثمة وسيلة وحيدة للهروب الى الأمام، يمكن لإيران عبرها أن تفترض أنها تجبر أميركا والمجتمع الدولي على التفاوض معها.. ابتداء من ضفاف المتوسط. وهذه الوسيلة هي إشعال جبهة الجنوب اللبناني عبر "حزب الله" إشعالاً لحرب ذات أبعاد إقليمية، فتؤدي هذه الحرب الى تفاوض مع إيران حول أمور عدة تهمها وتعنيها مثلما تهم وتعني "حزب الله" أيضاً.
الأمن القومي الأميركي.. والسلام
إن ما تقدم يمثل جانباً من الصورة. أما الجانب الثاني فمتصل بإسرائيل.
"يجب" القول هنا إن العلاقات الإسرائيلية الأميركية تواجه للمرة الأولى في تاريخها "مشكلة" أو "أزمة" عميقة. ذلك أنها المرة الأولى التي يرتبط "الأمن القومي الأميركي" إرتباطاً مباشراً بالمنطقة العربية، بالنظام العربي، بالعلاقات والمصالح الأميركية مع العرب، من مدخل الأزمة المالية العالمية ومترتباتها. وهذا ما يجعل التحرك الأميركي نحو السلام في المنطقة جدياً.. وضاغطاً على إسرائيل، ولعله مرشح لأن يكون أكثر ضغطاً على إسرائيل في الفترة المقبلة.
وإذا كانت المقدمات الآنفة تقول ما مفاده إن للولايات المتحدة مصلحة "خاصة" و"ذاتية" في السلام في الشرق الأوسط، فإن تجربة الشهور المنصرمة تفيد أن إسرائيل تحاول الهروب من إستحقاق السلام الإقليمي. وليس "المظهرُ" الوحيد للهروب الإسرائيلي من إستحقاق السلام، تفريغ إسرائيل لـ"حل الدولتين" من مضمونه بالإستيطان. فالمظهرُ الأهم الآن هو محاولة إسرائيل الهروب باتجاه حرب على إيران تحت عنوان "الخطر النووي الإيراني".
غير أن طريق إسرائيل للهروب باتجاه حرب على إيران تبدو مغلقة أميركياً. فالعمل العسكري ضد إيران ليس خياراً أميركياً. ولا تستطيع إسرائيل اللجوء الى عمل عسكري ضد إيران بلا موافقة سياسية أميركية، فضلاً عن أن إسرائيل بحاجةٍ، في أي عمل عسكري على إيران، الى "اللوجستية الأميركية". لذلك، ليس ثمة ما يمنع إسرائيل من التفتيش عن "مهرب" آخر في "حرب بديلة". وقد تجد في الحرب على "حزب الله" ولبنان مهرباً من إستحقاق السلام، أو وسيلة لتأخير هذا الإستحقاق عليها. هذا مع العلم هنا أيضاً أن طريق إسرائيل للهروب باتجاه حرب في لبنان ليست مفتوحة أميركياً لأن الأولوية الأميركية سلميّة وليست حربيّة.
"من الآن إلى نهاية العام الجاري"
على أي حال، بين هروب إيراني الى الأمام إستدراجاً لتفاوض "حامٍ" من ناحية وهروب إسرائيلي الى الأمام من إستحقاق السلام من ناحية أخرى، تبدو الشهور المقبلة مقلقة للبنان.
في الكلام المنقول قبل يومين عن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله أمام وفد إغترابي أنه يتوقع حرباً إسرائيلية "بين نهاية العام الجاري والربيع المقبل". تصحيح وحيد: ثمة خطر حرب من أحد جانبين "من الآن الى نهاية العام الجاري" لا "بين نهاية العام الجاري والربيع المقبل".. وذلك على قاعدة أن الشهور الفاصلة عن نهاية العام الجاري "حبلى" بإستحقاقات "داهمة" للجانبين.