التشكيلة الحكومية تنتظر خارطة دولية في غاية التعقيد
من باب المكابرة القول إن لبنان يدير شؤونه السياسية بنفسه، هكذا كان تاريخياً وصولاً إلى اليوم، والدول التي تؤثر في قراره مباشرة هي أكثر من واحدة تبدأ في سوريا وتنتهي في الولايات المتحدة الأميركية وتمر في ايران والسعودية ومصر، وكل دولة من هذه الدول لها اعتباراتها و(أسبابها) لهذا التدخل.
* * *
سوريا التي هي في قلب الصراع مع اسرائيل تعتبر لبنان (خاصرتها الضعيفة)، ودائماً تخشى من أن تعمد اسرائيل إلى إستخدامه (منصَّة) لإستهدافها، وهي خارج لبنان لا تريد فيه حكماً وحكومةً ضدها، بهذه الخلفية تحاول التأثير.
الولايات المتحدة، في المقابل، تعتبر نفسها معنية بتسوية الصراع في المنطقة، لكن المشكلة معها أنها تريد تسوية لمصلحة اسرائيل وعلى حساب الدول العربية ولا سيما لبنان، ان المدخل لتسوية هذا الصراع يكون بإيجاد حلٍّ للقضية الفلسطينية يتضمن مشكلة اللاجئين، لم يَطرح أيُّ حل عودةً لهم إلى أرضهم وعليه فإن لبنان سيتحمَّل العبء الأكبر من جراء أي تسوية.
بالنسبة إلى ايران فإنها في ظل الجمهورية الإسلامية تريد (حدوداً) لها مع اسرائيل، وهذا ما وجدَته منذ العام 1982، وهي تُدرِك ان محافظتها على هذه (الحدود) تكون من خلال التأثير على القرار السياسي في لبنان.
أما السعودية فهي الراعية للجمهورية الحالية في لبنان منذ اتفاق الطائف وهي تُدرِك جيداً محاولات بعض الدول ولا سيما ايران لإبعادها عن هذا الدور أو عرقلته على الأقل.
يبقى الدور المصري الذي يعتبر أن لبنان نموذجاً لا يجوز أن يُترَك لأطماع الآخرين.
* * *
كل هذه العوامل تجمّعت اليوم في وجه تشكيل الحكومة الجديدة، والرئيس المكلَّف سعد الحريري يُدرِك جيداً ابعاد هذه العوامل وتأثيرها ومفاعيلها، لذا فإنه يرى أن (خارطة الطريق) أمامه محفوفة بالمطبات والكمائن والألغام، وهو يحاول أن يجتازها بتحاشي الوقوع في أي كمين وبتفادي انفجار أي لغم، هو يُدرِك ان أي فشل سيتحمله وحدَه ولا يبدو أن أحداً مستعدٌ لأن يحمل معه هذا الوزر.
وانطلاقاً من معرفته الدقيقة بالتوازنات العربية والإقليمية والدولية، وبتشابكها وتداخلها فإنه ينتهج أسلوب التريث إلى حين نضوج التقارب السعودي – السوري والذي لن تكون واشنطن بعيدة عنه واستطراداً القاهرة، كما ان ايران لن تكون قادرة على عرقلته بسبب الظروف الدقيقة التي تمر بها والتي تُعدُّ الأخطر منذ انتصار الجمهورية الإسلامية.
* * *
هذه العوامل تجعل الداخل اللبناني في موقع المنتظر لهذه التقلبات الخارجية، وأصعب ما في هذا الإنتظار ان يتم في ظل الإستقرار لأن أي تصعيد سيكون مكلفاً وسيتحمله الجميع من دون إستثناء.