محنة لبنان في بعض ابنائه

محنة لبنان في بعض ابنائه

من يستمع الى خطاب قيادات الاقلّية، وما يصدر عن مسؤولين وقياديين في حزب الله، عند مقاربتهم المواضيع الخلافية القائمة بينهم وبين قيادات الاكثرية، وخصوصاً ما يتعلق منها بسلاح المقاومة، وقيام الدولة، والمشاركة وتشكيل الحكومات وغيرها من الخلافات الاساسية، يخرج بنتيجة واحدة، انه لم يعد هناك قيمة ولا وزن ولا تأثير لا للكلمة، ولا للحجة او المنطق، وان ما وصل اليه البعض من امتلاك لقدرات القوة اصبح هو الكلمة والحجّة والمنطق والقانون والدستور، ولم يعد لحقوق الآخر ورأيه اي اعتبار عند من يقبض على السلاح والمال، وقادر على تجييش مئات الالوف عند الحاجة لفرض رأيه واهدافه.

عندما تتغلب القوة، على الكلمة والمنطق والحقوق في مجتمع ما احادي وغير تعددي تذوب شيئاً فشيئاً معاني الحرية والديموقراطية والمساواة، وتحلّ محلها اساليب الكبت والدكتاتورية والتمييز، التي منها تولد بذور الانتفاضات والثورات، السلمية منها والعنفية، وتصبح الانقلابات خبز الناس اليومي، اما اذا حدث هذا الخلل في مجتمع تعددي مثل لبنان فان مواجهة الظلم المدّرع بالقوة، تصبح اقسى واكثر عنفاً، لانها تتكون للدفاع عن وجود ومقدسات وتاريخ، بالاضافة الى معاني الحرية والديموقراطية وحق الاختلاف، ولنا في ما حدث في بعض دول اوروبا الشرقية خير دليل على ذلك.

لقد ثبت من مضمون التصريحات التي صدرت منذ ايام قليلة عن قيادات في الاقلية، حول الضمانات، والثلث المعطل، وعدم احادية المجتمع اللبناني، و«العينة» من العنف الذي مورس في 7 أيار، ومفهوم الديموقراطية التوافقية، ان هذه الاقلية لا يهمها في شيء، خراب لبنان اوتدميره، او افلاسه، او موت صيغة العيش الواحد، وانهيار النظام والكيان، وكل ما يهمها ان تبقى رموزها، واهدافها وعقيدتها ولو على حساب كل الآخرين، واذا اردنا من باب الجدل لمجرد الجدل ليس الا، ومن باب قول ما يفكر فيه فريق كبير اساسي من اللبنانيين حيال طروحات المعارضة.

وخصوصاً حيال اعتراف احد منظرّي الاقلية، بان المجتمع اللبناني ليس مجتمعاً احادياً بل هو مجتمع تعددي، وكذلك فان الديموقراطية التوافقية هي «الوصفة» الناجعة له، وليس غيرها من الديموقراطيات الغربية، والرد على هذا القول هو ان قائله قد اصاب كبد الحقيقة في التشخيص ولكنه اخطأ في العلاج، باعتبار ان الديموقراطية التوافقية التي يسعى اليها فريق الاقلية، هي الديموقراطية القائمة على اعطاء طائفة من طوائف المجتمع التعددي حق نقض ما تتفق عليه الاكثرية، وليس من قبيل الصدف ان هذه الطائفة هي التي تملك السلاح الذي يحمي حق النقض هذا، وبالتالي فان كل طائفة يقيّض لها ان تمتلك السلاح في زمن ما، يحق لها ان تمتلك القرار رغم انف الاكثرية، في حين ان العلاج لمجتمع تعددي شهد في اكثر من مرة حروباً ومذابح بين طوائفه، ان يذهب الى حل من اثنين: اما دولة مدنية بالكامل وفصل الدين عن الدولة، وتطبيق القوانين المدنية على الجمع، ضمن احترام ممارسة الشعائر الدينية بحرية تامة، واما لا مركزية سياسية وادارية موسعة، تأخذ كل طائفة حقها في ادارة شؤونها.

الطوائف، علماً بأن هناك العديد من الدول الكبرى والصغرى، وبعضها موجود حتى في العالم العربي يعيش نظريا ديموقراطية الاكثرية والاقلية، وليس هناك أثلاث او أرباع معطلة او ضامنة، كما يريد البعض ان يفرضها في لبنان… والاّ!

اذا كان صحيحا، ان طبول الحرب تقرع في اماكن عدة في محيطنا القريب والبعيد، واذا كان صحيحا ما يحكى عن مؤامرات تحوكها هذه الدولة أو تلك لتلبيس حزب الله تهماً معينة قد تقلب الاوضاع الداخلية رأسا على عقب، فهل من الحكمة والوطنية والاستراتيجيا، ان تخلق الاقلية التي يقودها حزب الله، اجواء من التباعد وعدم الثقة، وحتى التنافر بينها وبين نصف اللبنانيين على الاقل، دون ان ترى هذه الاقلية بعين العاقل والمستوعب، ان اعراس الفرح التي تشهدها الاكثرية الساحقة من المدن في مختلف المناطق، انما هي رسائل عملية مسموعة ومرئىة ومكتوبة، تقول اننا نريد حكومة، ونريد دولة، ونريد سلاماً واستقراراً، ونريد لعهد الرئيس ميشال سليمان ان ينطلق بعيدا من العراقيل والمطبات والافخاخ.

اليد المخملية القفاز، الحديدية اللحم والدم، الممدودة، على ما يقال، لتسهيل تشكيل الحكومة، لا يمكن ان تغشّ احداً، لأن الشروط التعجيزية، وحقيقة المواقف المعرقلة سبقتا مدّ اليد وألحقتا ما يكفي من اضرار واذا كان هناك بصيص امل، ولو ضعيف، في عودة الابناء الضالين الى دولتهم وسواء السبيل، فيكون ذلك بتغيير السلوك، وليس باعتماد القاعدة الشمشونية التي تنتهي بهدم الهيكل على رؤوس اهله وسكانه واصحابه.

المصدر:
الديار

خبر عاجل