"إنزال" لا يوقف جرافة ؟!
مرة اخرى يتصرف الرئيس باراك اوباما على طريقة الآلهة شيفا ذات الايدي الكثيرة المعروفة في الهند بآلهة الخصب. لكن السياسة من الشرق الاوسط الى الخليج تشبه الصحراء حيث يصبح البحث عن الخصب مضنياً أو بالاحرى سرابياً.
وهكذا كان من المفترض ان يعلن اوباما مبادرته للتسوية الشاملة في الشرق الاوسط يوم الاثنين اول من امس، ولكن موفديه الكثر الى المنطقة أبلغوا المسؤولين انه ارجأ هذا الاعلان الى أواخر شهر رمضان، بعد ان يكون أولاً قد التقى بعض زعماء العرب الذين سيزورون واشنطن، وثانياً بعد ان يتبين الفرص الحقيقية المتاحة لمباشرة التحرك.
❒❒❒
يؤكد بروز "الجزر الاميركي" على خط دمشق، عبر مباشرة رفع العقوبات عنها تدريجاً، ان التركيز الاميركي انتقل الى المسار السوري بعدما تباطأت مساعي المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة "حماس"، ولكن العراقيل الاسرائيلية حيال التسوية مع سوريا لا تقل عن تلك التي عطلت كل مبادرات الحل والتسوية في فلسطين المحتلة، وآخرها مبدأ قيام الدولتين الذي يواجه تعقيدات اسرائيلية لا تصل الى حد ابتلاع القدس ورفض حق العودة، بل الى التأسيس لمرحلة جديدة من الترانسفير" عبر المضي في اجراءات اقرار يهودية الدولة الاسرائيلية.
كل هذا ليس خافياً بالتأكيد على الادارة الاميركية، التي يبدو انها استعاضت في الايام القليلة الماضية عن اعلان مبادرة اوباما بتنظيم "إنزال" سياسي وديبلوماسي في المنطقة تركز في شكل اساسي على اسرائيل، في محاولة واضحة لاصابة عصافير عدة بحجر واحد:
❒ السعي لتحريك عجلة التسوية عبر التحضير لمؤتمر جديد على غرار "مؤتمر مدريد"، يطلق المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية.
❒ محاولة اقامة مقايضة مضحكة لا بل مهينة للعرب، عندما تطلب واشنطن تكراراً التطبيع مع اسرائيل في مقابل وقف الاستيطان.
❒ ممارسة ضغوط اضافية على ايران لدفعها الى الانخراط في المفاوضات مع اميركا والدول الاوروبية حول المسألة النووية تحت طائلة مضاعفة العقوبات الخانقة أولاً، والتلويح بالعمل العسكري ثانياً.
❒❒❒
إن الحديث عن "إنزال" سياسي وديبلوماسي اميركي في اسرائيل لا ينطوي على اي مبالغة. ففي اقل من عشرة ايام تقاطر الى تل ابيب وبعض العواصم في المنطقة عدد مثير من المسؤولين في الادارة الاميركية وهم:
وزير الدفاع روبرت غيتس. مبعوث الرئيس الاميركي جورج ميتشل. رئيس مجلس الامن القومي جيمس جونز. المستشار السياسي للرئيس دنيس روس. قائد سلاح الجو الجنرال نورتون شوارتس الذي اجرى محادثات مع نده الاسرائيلي عيدو نحوشتان. وكان قد سبق هؤلاء مساعد ميتشل فريدريك هوف، ومدير الشرق الادنى في مجلس الأمن القومي دانيال شابيرو.
أمام هذا الحشد لم يعد ينقص اوباما إلا ان ينقل البيت الابيض الى تل ابيب. ولكن ليس المهم كثرة الموفدين، بل المهم قيمة النتائج التي اسفرت عنها المحادثات.
بالنسبة الى التسوية في المنطقة يقول صائب عريقات إن ميتشل ابلغ الرئيس محمود عباس بأنه ليس هناك اتفاق اميركي – اسرائيلي حول قضية الاستيطان، وهذا يعني ان كل الضغوط الاميركية والاوروبية لم تسفر عن وقف قضم اراضي الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقد ابلغ عباس ميتشل عدم القبول بأي حل وسط لقضية الاستيطان.
وفي هذا السياق سمع الموفدون الاميركيون الى المنطقة كلاماً واحداً وجازماً في العواصم العربية التي زاروها، هو ان من غير المقبول الحديث عن التطبيع مع اسرائيل قبل الانسحاب من كل الاراضي المحتلة تنفيذاً لمبدأ الارض في مقابل السلام الذي تبنته "المبادرة العربية للسلام" صراحة.
ماذا يعني هذا الأمر؟
إنه يعني ان اوباما، الذي أجّل اعلان مبادرته، قد يضطر الى تأجيلها مرة اخرى مع انتهاء شهر رمضان المقبل، اذا لم يتمكن من دفع بنيامين نتنياهو الى تنفيذ الالتزامات الواردة في "خارطة الطريق" وفي مقدمها وقف الاستيطان كلياً.
ولكن ليس واضحاً ان الأمور تأخذ هذا الاتجاه. فمن خلال مجمل التصريحات الاميركية في الايام الماضية، ظهر أن هناك حرصاً لدى واشنطن على تأكيد "متانة الصداقة" وثبات "العلاقة الخاصة" بين البلدين اللذين لن تؤثر فيهما "الخلافات بين العائلة الواحدة"!
واذا كان بضع مئات من الاسرائيليين المتطرفين قد تظاهروا ضد "الضغوط" الاميركية على اسرائيل لوقف الاستيطان، قد استطاعوا حتى الآن توفير نوع من المساندة لنتنياهو في مواجهة أوباما، فليس كثيراً القول إن كل هذا الانزال الاميركي قد لا يتمكن في النهاية من وقف انياب جرافة واحدة تأكل الارض الفلسطينية والتسوية السلمية معاً!
❒❒❒
لقد اختار السناتور ميتشل ان يكرر في خلال محطات جولته في المنطقة "ان السلام الشامل يعتبر افضل وسيلة لتحقيق الاستقرار والازدهار في المنطقة (…) وان الرئيس الاميركي مصمم على تسهيل التوصل الى سلام شامل بين العرب واسرائيل".
ولكن كيف ومتى، اذا كان نتنياهو قد تمكن على ما يبدو من تقديم "روزنامته الايرانية" على مبادرة اوباما الشرق اوسطية؟!